ابني بالتبني

​بعدها بدأت التعليقات السخيفة المتواصلة عن هدومي القديمة، سني، مكالماتي، بيتي الصغير، الكوبونات اللي بجمعها عشان الخصومات، وعربيتي المستعملة القديمة. ولما اتخطبوا، كنت أخر واحدة تعرف. وصلت مطعم فخم وأنا فاكرة إننا بنحتفل بترقية كريم، لأتفاجأ بشريب رافعة خاتم ألماس ضخم قدام عيلتها الغنية، والكل بيصرخ “مفاجأة!”. ابتسمت وسقفت، بس جوايا، فهمت أخيرًا.. هما كانوا بدأوا يقصوني من الصورة خلاص.
​كريم كان قال لي في مكالمة مستعجلة بعدها بأسابيع: “الفرح هيكون عائلي ومحدد أوي يا أمي.. الأقارب المقربين جداً وكبار المستثمرين بس.”
​وأنا بهبلي افتكرت إن الأم تعتبر من “الأقارب المقربين”.
​وأنا واقفة هناك في شمس الجونة، وباصة لهم هما الاتنين، تحول عميق حصل جوايا. كان ممكن أعيط.. كان ممكن أترجاه.. كان ممكن أفصّله كل دور سخونية طببته فيه بكيمادات مية باردة، كل قسط تعليم شفط حسابي في البنك، وكل ليلة نمت فيها بجوعي عشان هو يشبع.
​بس ما عملتش كده. الخوف والحزن تبخروا، وسابوا مكانهم حاجة تانية خالص.. حاجة باردة، ناشفة، وساكنة برعب.
​ابتسمت.
​قلت له: “أنا فهمت كويس أوي.”
​شرين بربشت، ووشها المغرور اترسم عليه اللخبطة. كريم كشر، وفجأة بقى قلقان من هدوئي ده.
​حذرني: “بلاش تعملي شوشرة يا أمي وتفضحينا.”
​قلت له وأنا بفرد طرف فستاني الأزرق: “أنا مش هعمل شوشرة خالص.. ألف مبروك، وأتمنى لكم فرح جميل.”
​لفيت وضهري للمكان ومشيت ناحية البوابة. محدش مشي ورايا. محدش وقفني. محدش قال: استنوا، دي صاحبة البيت.
​أول ما قعدت في العربية المخصوص اللي كانت مستنياني برة السور الحديد، طلعت تليفوني وكلمت الأستاذ سامح، المحامي بتاعي وصديقي المقرب بقاله أكتر من عشرين سنة.
​رد من ثاني رنة: “أستاذة كريمة؟ كل حاجة تمام؟ الفرح عامل إيه؟”
​بصيت من الشباك المتفيم على الفيلا الواسعة اللي ابني بيتجوز فيها وبيبيع حياته لست بتكرهني.
​قلت بصوت هادي بشكل يرعب: “لأ يا سامح.. بس رؤيتي بقت واضحة زي الشمس دلوقتي. ما رضوش يدخلوني.”
​سامح سكت تماماً. كان عارف كل حاجة أنا ضحيت بيها.
​”عايزة تعملي إيه؟”
​قلت: “كريم لسه موريّني قيمتي عنده بالظبط.. نفّذ خطط الطوارئ. كل اللي اتكلمنا فيه.. احرق كل حاجة.”
​كان فيه تنهيدة تقيلة من الناحية التانية: “أنتِ متأكدة يا كريمة؟ أول ما أضغط على الكيبورد هنا، كل الدومينو هيقع.. ومفيش رجوع في السكة دي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *