ابني بالتبني

الفصل الرابع: الانهيار
العربيات فرملت بعنف قدام التاكسي مباشرة. نزل منها اتنين أمناء شرطة ورجل مدني لابس بدلة، ووشوشهم صارمة وجادة، وإيديهم محطوطة بحذر جنب أسلحتهم.
كريم اتجمد مكانه على العتبة. الغضب اللي كان في وشّه اتبخر في ثانية، وحل مكانه رعب أصفر، ورجليه حرفياً ما بقتش شايلاه.
طلّع الراجل اللي بالبدلة كارنيه شارة مباحث مباحث الأموال العامة ومكافحة جرائم الإنترنت، وقال بصوت حاسم: “كريم الألفي؟”
شرقَت شرين بصرخة نصها صويت ونصها شهقة، وبعددت عن كريم كأنه شايل مرض معدي، ولزقت ظهرها في سور بيتي الرخام.
رد كريم وهو بيرفع إيده بشكل تلقائي وصوته بيرتعش: “أ.. أيوة؟”
”معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم النصب والإحتيال الإلكتروني، والاستيلاء على ملكية فكرية، واختلاس أموال مستثمرين.”
كريم صرخ وصوته بيتكسر: “لأ استنوا! فيه غلط كبير! فيه حاجة غلط!” وبص لي من ورا السلك الحديد بعيون واسعة، مبلولة، وتترجى: “أمي! أمي أرجوكِ! قولي لهم! قولي لهم إن فيه غلط! كلمي الأستاذ سامح! قوليله يفك الحظر عن الفلوس! أنا هسوي الموضوع مع مازن، وهدفع له اللي عايزه، أنا هصلح كل حاجة!”
كان بيكر في العياط خلاص. الراجل المغرور والشيك اللي كان بيقَلّب عينه من الفستان الأزرق بتاعي من كام يوم بس، اختفى تماماً. وجيه مكانه الطفل المرعوب أبو تلات سنين اللي لقيته بيعيط في دار الرعاية بالإسكندرية وبيترجاني ما أسيبوش.
قلبي اتوجع عليه.. اتوجع جداً وبصدق. غريزة الأم الفطرية بتخليها تحذف نفسها قدام قطر عشان تحمي ابنها من الدنيا. كل خلية في جسمي كانت بتصرخ عشان أفتح الباب، وأكتب شيك بمليون جنيه، وأأجر له أكبر وأحسن محامي في البلد يطلّعه منها.
بس افتكرت بوابة الفيلا في الجونة.. افتكرت كلمة “مفيش إذن بدخولك”.. افتكرت نظرة القرف من شرين وسكوت كريم الجبان.. افتكرت إزاي بص لي كأني زبالة أو عار في حياته.
قلت له بصوت هادي من ورا السلك: “مازن هو اللي راح للنيابة النهاردة الصبح يا كريم.. أول ما الفلوس اتقتعت عنه، عرف إن مفيش حاجة يخسرها، وسلمهم كل تسجيلات السيرفرات والتاريخ بالثانية.. أنا ما أقدرش أحميك من القانون.. ومش هعمل كده.”
صرخ وهو بيتمسك من ذراعين الأمناء وبيتكبش إيده ورا ظهره بصوت الكلبشات الحديد الصلب: “أنتِ اللي عملتِ كده! أنتِ اللي دمرتِ حياتي! أنتِ وحش!”
رديت عليه بدمعة سخنة نزلت على خدي: “لأ يا كريم.. أنا إدتك حياة كريمة وجميلة.. أنت اللي رميتها في الزبالة عشان ما كانتش بتبرق كفاية بالنسبة لك.”
شرين حتى ما بصتش عليه وهو بيتسحب على المشاية ويترمى في ظهر عربية البوليس. كانت ماسكة تليفونها وبتبعت ورسايل بنرفزة، غالباً بتحاول تتوصل لمحامي يرفع لها قضية بطلان جواز أو خلع قبل ما اسمها يتبط بـ “مسجون ونصاب” وتضيع بقية وجاهة عيلتها الاجتماعية.
ولما عربيات الشرطة مشيت وأخدت ابني في الضلمة، لفت شرين وبصت لي.
لأقل من ثانية، افتكرت إنها ممكن تعتذر.. افتكرت إنها هتعرف إننا إحنا الاتنين كنا ضحايا لصحيفة كذبه.
بدل كده، ظبطت الجاكيت الماركة المتبهدل بتاعها، وبصت لي بنظرة غل وسم صافي، وتفت على شجر الورد بتاعي. ومشيت بخطوات سريعة بكعبها على الأسفلت عشان تسبق تاكسي تاني.. وما نطقتش معايا بكلمة واحدة بعدها.
قفلت الباب الخشب التقيل، ودخلت المطبخ الصغير الهادي، ودلقت بقية الشاي بالنعناع في الحوض.
السكوت في البيت كان تقيل ومرعب.. بقاله عشرين سنة المكان ده مليان قلق وتربية ولد، وضغط إخفاء الثروة عشان أديه درس في الحياة، والشقا المجهد عشان أطلع من طفل مكسور راجل صالح وأمين.
أنا فشلت في الأخيرة دي.. بس ولأول مرة في حياتي، السكوت ما كانش حاسسني بالوحدة.. كان حاسسني بالنظافة.
طلعت سريري ونمت اتناشر ساعة متواصلين.. بس لما صحيت، الكابوس ما كانش خلص تماماً.
الفصل الخامس: مواجهة الواقع