ابني بالتبني

حصري لصفحة روايات رولا
الفصل الأول:
وصلت فرح ابني وأنا لابسة الفستان الأزرق اللي فضلت أحوش عشان أشتريه سنتين كاملين، والبنت الصغيّرة اللي واقفة على الباب قالت لي بكل جفاء إن اسمي مش مكتوب في كشف المعازيم.
لثانية واحدة، افتكرت إن الموضوع مجرد غلطة مش أكتر. الفيلا في الجونة كانت متغرقة بالورد الأبيض، وصوت الكمانجة الهادي طالع من الجنينة، والستات بفساتين السواريه من أشهر مصممي الأزياء واقفين يتصوروا جنب النافورة الرخام كأنهم بيصوّروا غلاف مجلة.
كنت ماسكة شنطة صغيرة قدمت من الاستعمال، ولابسة جزمة مريحة، وفي إيدي ظرف تقيل فيه جواب كتبته الليلة اللي قبلها. لأن الأم—مهما كانت المسافات أو الإهانات—بتفضل دايماً فاكرة إن فيه حاجة حلوة فاضلة تقولها لابنها في يوم فرحه.
قلت لها بصوت واطي ومؤدب وأنا بقرب من الترابيزة: “تأكدي تاني معلش يا حبيبتي.. أنا أم العريس، كريمة الألفي.”
البنت بصت في التابليت تاني، وصاباعها المتظبط بمناكير شيك بيعدي على الشاشة. وبعدين رفعت عينها.. ما كانش استغراب اللي شفته في عينها، كانت شفقة.
قالت لي بصوت واطي ومشدود: “آسفة يا فندم.. مفيش إذن بدخولك.”
الكلمة دي نزلت عليا أشد من ضربة على وشي. مفيش إذن! كأني واحدة غريبة حافية محتاجة تتسلل لمكان مالهاش أي حق فيه.
وبعدين شفته..
كريم كان واقف عند الجنينة الرئيسية لابس بدلة توكسيدو سوداء شيك جداً، وبيضحك وبيبتسم للمصورين بتكلف. ده الولد اللي أنا تبنيته وهو عنده تلات سنين بس. الطفل الصغير اللي لقيته بيعيط في مكتب رعاية أطفال معقم في الإسكندرية، وماسك لعبة عربية بلاستيك في إيده. الطفل اللي كان ماسك في طرف طرحتي في أول يوم لينا سوا وبص لي بعينين كبار ومرعوبين وسألني: “أنتِ كمان هتمشي وتسيبيني؟”
مشيت ناحيته قبل ما البنت أو أفراد الأمن يلحقوا يمنعوني. أول ما أخد باله مني، وشّه ما نورش.. ما كانش متفاجئ، كان باين عليه الضيق والزهق التام.
قال لي من تحت أسنانه وهو بيبعد عن كاميرا التصوير: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟”
قلت له بصوت ثابت بالعافية رغم الرعشة اللي في إيدي: “جيت فرحك يا ابني.. قالوا لي اسمي مش في القائمة.”
قلّب عينه بقلة صبر. دي حركة شفتها منه آلاف المرات وهو في سن المراهقة، بس هنا والنهارده.. كانت كأنها س/كينة بتتقلب في ضلوعي. بص لي كأني شحاذة تاهت في الشارع ودخلت جوة صورته المثالية.
”هو أنتِ بجد كنتِ فاكرة إنك معزومة؟”
لثانية، الهواء اتقطع من صدري تماماً.
من وراه، طلعت عروسته شرين. كانت بتبرق بفستانها الأبيض المصمم خصيصاً لها، ومغرقانة لؤلؤ وشيك كأنها متصنعة مخصوص عشان الكاميرات الغالية. كانت لابسة الابتسامة الصفراء الضيقة دي اللي الستات بيستخدموها لما يعوزوا يذلوا حد من غير ما يوسخوا إيديهم.
دندنت شرين وهي بتحط إيدها برقة على ذراعه: “كريم يا حبيبي، ما تطولش الموضوع وتعمل سالفة.. التصوير هيبدأ والتقاط الصور في الإضاءة دي مظبوط بالملي.”
بصيت لابني.. أنا إديته اسمي، بيتي، وشبابي كله. اشتغلت موظفة استقبال في المستشفيات الصبح، وكنت بخيط وأفصل يونيفورمات للسيدات بالليل عشان أقدر أدفع له مصاريف المدارس الخاصة. بعت دهب أمي الانتيك لما جاله التهاب زائدة دودية وكان محتاج عملية طارئة. لبست نفس بالطو الشتا لمدة اتناشر سنة عشان أقدر أجيب له لاب توب، ومدرسين فرنسي، ومخيمات برمجة في الصيف، ورحلات تبع المدرسة لفرنسا وأوروبا.
همست له، والوجع أخيراً ظهر في نبرة صوتي: “كريم.. أنا أمك.”
بؤه اتلوى بقسوة: “أمي كانت هتحترم حياتي ومقامي! شرين عندها حق.. أنتِ دايماً بتفرضي نفسك، دايماً عايزة تخلي الناس تشفق عليكِ بقصصك الحزينة دي، دايماً عايزة تعملي كل حاجة عنك أنتِ وبس!”
شرين اتنهدت بدراما كأنها بتتعامل مع طفل عنيد: “طنط كريمة، الموضوع مش شخصي والله،” وهي بتظبط حلق الألماس في إذنها: “إحنا بس كنا عايزين فرح راقي، متظبط بالملي، ومعانا فيه ناس تليق بالمكان وتناسبنا.”
ناس تليق بينا.
أنا.. الست اللي شالته من الملجأ والضياع، بقيت ما أليقش بفرحه.
افتكرت أول مرة شرين أهانتني في مطبخي. كانت داقّت طاجن البامبة اللي عملته، وعملت وش قرف وتصنع وقالت إنها مش فاهمة كريم كبر إزاي وهو بياكل “أكل مستشفيات حزين”. يومها استنيت ابني يدافع عني.. يقول كلمة.. بس هو كمل أكل ولا كأنه سمع حاجة.