ابني بالتبني

​بعدين عرفت من سامح اللي حصل. بعد ما كل الحسابات اتجمدت، كريم اضطر يعترف لشرين إنه مفلس ملليم. شرين اتجننت وعملت مناحة، وكلمت أبوها تترجاه يلحقهم بفلوس.. وأبوها، اللي كان بيهرب من محامي الضرائب والديون اصلاً، اضطر يسحب بفيزة كارت فوايده عالية جداً عشان بس يشتري لهم تذاكر طيران اقتصادية يرجعوا بيها على القاهرة.
​ولما وصلوا بعد أربع أيام—تعبانين، هربانين، ومتهانين—أخدوا عربية أوبر وركبوا مباشرة على شقة الزمالك.
​وحسب كلام أمن العمارة، الكارت الذكي بتاع كريم أدى إشارة حمرا عند الأسانسير. وموظف الاستقبال سلم له ظرف رسمي مقفول.
​كان إنذار بالإخلاء.
​العقار رجع لمالكه الأساسي (الشركة)، الكوالين اتغيرت، وعفشه وهدومه الماركات اتقفلت في كراتين واتنقلت لمخزن قديم في منطقة عشوائية.
​ما كانش عندهم أي مكان يروحوه. بيت عيلة شرين في التجمع كان عليه حجز وتحفظ من البنوك—وده السر اللي ما قدرتش تخبيه عن جوزها خلاص.
​كنت عارفة إنها مسألة وقت قبل ما ييجوا للمكان الوحيد اللي بيحتقروه. عملت كوباية شاي بالنعناع، وقعدت على الكرسي بتاعي جنب الشباك، واستنيت في النور الهادي.
​الساعة 9:45 بالليل، إضاءة عربية ضربت في الصالة عندي. عربية تاكسي مكسرة وقفت قدام الباب. شفت من ورا الستارة كريم وشرين نازلين. شرين كانت طالعة زي المجذوبة—شعرها منكوش، وترنجها الحرير الغالي متبهدل ومترب. وكريم جاي على المشاية الرخام وإيده متشنجة ووشه أحمر من الغل.
​ما خبطش.. ضرب بقبضة إيده بغل على الباب.
​”افتحي الباب! افتحي الباب يا أمي!”
​حطيت كوباية الشاي، ومشيت للباب وفتحته، وسيبت الباب الحديد الفورفورجيه مقفول بينا.
​صرخ كريم والتُفال بيطير من بؤه وعينه حمرا: “عملتِ إيه؟! المستثمر سحب فلوسه من الشركة! والشقة اتسحبت! أنتِ كلمتِ مين يا أمي؟! كلمتِ سامح المحامي؟! عايزة تخربي بيتي وتدمريني عشان مقعدتكيش في الفرح؟!”
​بصيت له.. بصيت له بجد. الولد اللي أنا انقذته زمان ما بقاش موجود.
​قلت بصوت هادي يرن في سكون الليل: “أنا ما دمرتكش يا كريم.. أنا بس بطلت أنقذك.”
​قبل ما يرد، شرين زقته وجت عند السلك الحديد وعيونها زي المجانين.
​صرخت شرين: “هي بتقول إيه يا كريم؟! دي ست خياطة فقيرة عايشة في بيت قديم! إزاي تقدر تاخد شقتك؟!”
​بصيت لشرين، وحسيت بشفقة لحظية غريبة عليها. هي كانت حد سيء، بس اتنصب عليها بمعلمة.
​قلت لها وأنا باصة في عينها: “عشان الشقة ملكي يا شرين.. أنا المالك للشركة اللي مولة شركته، وأنا المستثمر الخفي اللي إداله رأس المال في الأول. كريم مش عبقري تكنولوجيا، ولا مليونير عمل نفسه بنفسه.. كريم ولد عاش 20 سنة بيصرف من مصروف أمه السري.”
​شرين لفت وشها ببطء لكريم، وبؤها مفتوح من الصدمة. السكوت اللي نزل على الباب كان أتقل من الحديد. كريم اتكمش لورا، ووشه اتخطف منه الدم كلياً والحقيقة البشعة بانت قدامه.
​وفجأة، صوت قطع سكون الشارع كله..
​سرينة بوليس.
​عربيات شرطة بوكس ونجدة دخلت الشارع بسرعة وسريناتها مكسرة الضلمة، والأضواء الحمرا والزرقا ضربت في بيت الصغير.
​وما كانوش جايين عشان يعملوا محضر إزعاج!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *