ابني بالتبني

​المحاكمة استمرت تمان شهور كاملين.. كانت سيرك إعلامي. “الفتى الذهبي المزيف للقرية الذكية” كان عنوان المجلات والمواقع الصحفية.
​ما حضرتش ولا جلسة.
​محامي كريم اللي عينته له المحكمة حاول يوصل لي ييجي ست مرات يترجاني أجي أشهد شهادة شخصية عن أخلاقه وطفولته، على أمل إن أم بتبكي تكسر قلب القاضي ويخفف الحكم.. بس سامح كان بيمسك كل المكالمات ويرفض بشياكة بس بصرامة.
​اتحكم على كريم بالإدانة في كل التهم.. واخد خمس سنين سجن مشدد، مع رد المبالغ والمستحقات المادية لمازن وللمستثمرين اللي نصب عليهم قبل ما تدفقات فلوسي تقف.
​شرين رفعت قضية بطلان عقد جواز والمحكمة حكمت لها في أول شهرين، وطلعت في البرامج والجرائد بتعيط وتقول إنها كانت ضحية لخداعه المالي والنفسي. وأخر حاجة سمعتها عنها إن البنك حجز على فيلتهم في التجمع، وهي شغال دلوقتي بائعة في محل ملابس حريمي براند فخم في مول شهير، وبتحاول بشدة تشقط زبون غني يتجوزها قبل ما شبابها يروح.
​أما أنا، فأخدت قرار أخير ونهائي.. طلبت من سامح يبيع كل المحفظة العقارية والأسهم والأصول.. كل حتة أرض وكل شركة وكل سهم.
​قعدت في مكتب سامح في صباح يوم ثلاثاء مشرق، وكان فيه كومة أوراق تحويلات مالية بيننا.
​قال لي سامح بصوت مليان تأثر وهو باصص للأوراق بذهول: “دي مؤسسة خيرية ضخمة يا كريمة.. مؤسسة الألفي للتنمية.. أنتِ هتغيري حياة آلاف الشباب.”
​ابتسمت ومسكت القلم الحبر التقيل: “هو ده الهدف الوحيد يا سامح.”
​حولت 95% من ثروتي لمؤسسة خيرية جديدة وغير قابلة للتلاعب، مخصصة بالكامل لتقديم المنح الدراسية الجامعية الشاملة، والدعم النفسي، وسكن للشباب والأيتام اللي بيخرجوا من دور الرعاية بعد سن الـ 18 عشان يبدأوا حياتهم.
​سيبت لنفسي بس اللي يكفيني: المبلغ اللي يضمن لي بيتي الصغير، وجنينتي اللي بحبها، ومعاش هادي ومريح ما اضطرش فيه أبص لورقة السعر في السوبرماركت تاني.
​عرفت، بعد شهور من جلسات العلاج النفسي، إن غلطتي الكبيرة مع كريم ما كانتش إني حبيته زيادة عن اللزوم.. غلطتي كانت إني حاولت أشتري كرامته بإن أحميه من قسوة الواقع وتجارب الحياة. أنا بنيت حواليه قصر زجاجي فخم ومش شايفه، ولما قرر يرمي حجر، القصر كله اتكسر عليه.
​الشباب اللي مؤسسة الألفي هتساعدهم مش هيلاقوا شبكة أمان سرية ولا حسابات مقفولة.. هيلاقوا أدوات.. هيلاقوا تعليم.. هيلاقوا فرصة حقيقية يتبنى بيها مستقبلهم، طوبة بطوبة ومن عرق جبينهم.
​مضيت على آخر ورقة.. وسامح وثقها.. وكده كل حاجة انتهت.. وأنا بقيت حرة.
​وأنا طالعة من مكتبه، موظفة الاستقبال سلمتني ظرف صغير متبهدل جيه على عنوان بيتي القديم.. كان عليه ختم البريد الخاص بالسجن العمومي.
الفصل السادس: الإرث الحقيقي
​عرفت خط كريم المفركش والمنكوش على طول أول ما بصيت للظرف.
​ما فتحتوش في المكتب.. أخدت الأتوبيس ودمت راجعة البيت، وأنا بستمتع بهدوء المدينة وإيقاع الشارع العادي. قعدت على ترابيزة مطبخي الصغير، والظرف كان تقيل وفيه إحساس بالرعب بين إيديا. افتكرت الجواب اللي كنت واخدة معايا يوم فرحه—الجواب اللي كان مليان دعوات وبركة من غير شروط وهو حتى ما كلّفش نفسه يقرأه.
​مشيت صباعي على ختم الظرف المقفول.. هل كان بيعتذر؟ هل كان بيطلب فلوس عشان الأمانات في السجن؟ ولا كان بيلومني لآخر مرة؟
​وفجأة، وحسيت براحة وسلام نفسي عميق أوي، وعرفت إني ببساطة ما بقاش يهمني أعرف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *