ابني بالتبني

​بصيت للظرف اللي في حجري. الجواب اللي جوة كان مليان حب، مسامحة، ذكريات الطفولة، ودعوات.. كلام عمره ما هيقرأه.
​قلت له: “متأكدة.. طالما أنا مش أمه قدام الناس، مش هبقى شبكة الأمان بتاعته في السر.”
​سامح قال: “مفهوم.. هبدأ تجديد وتجميد الحسابات والأصول الليلة دي. بس يا كريمة.. قبل ما أعمل كده، فيه حاجة لازم تعرفيها.. حاجة المحققين بتوعي اكتشفوها الصبح عن شركة التكنولوجيا بتاعة كريم.”
​مسكت التليفون جامد: “إيه هي؟”
​سامح قال بصوت واطي وجاد: “كريم مش بس قفل الباب في وشك في فرحه.. ده هو على وشك يتقفل عليه باب السجن! وعيلة شرين؟ هما داخلين في نصبية تانية خالص بعيد عنه!”
الفصل الثاني: قلعة الورق
​تاني يوم الصبح، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ سامح في الدور العالي، الموُطل على النيل من فوق. فنجان القهوة على مكتبه الخشب كان برد، ومحدش لمسه.
​قال لي سامح وهو بيزق ملف أصفر تقيل قدامي: “لازم تشوفي الأوراق والحسابات دي بنفسك يا كريمة.”
​ما مدّيتش إيدي للملف على طول، فضلت باصة للقفل النحاس بتاعه بس.
​على مدار عشرين سنة، كان كريم فاكرني مجرد ست تعبانة وشقيانة بتخيّط هدمتين وتقصقص كوبونات التخفيضات. ما كانش يعرف إن البيت الصغير القديم اللي اشتريته زمان في منطقة شبرا، اتعاد تسعيره واتباع لشركة تطوير عقاري بمبلغ وقدره. ما كانش يعرف إن الفلوس دي أخدتها واستثمرتها صح في البورصة والعقارات، وعملت منها ثروة طائلة بملايين الجنيهات.
​أنا داريت ثروتي عنه تماماً. ليه؟ عشان كنت عايزاه يتربى عنده شغف وطموح للشغل، كنت خايفة الفلوس الجاهزة تعميه وتهد حيله. كنت بديله بالظبط اللي يحتاجه عشان ينجح، وأمرر الفلوس من تحت لتحت عن طريق منح دراسية وهمية وشراكات مستترة.
​كريم ما كانش عنده أدنى فكرة إن الشقة الفاخرة المطلة على النيل في الزمالك اللي عايش فيها مملوكة لشركة مساهمة أنا اللي بديرها في السر. وما كانش يعرف إن شركته الناشئة للتكنولوجيا “نوڤا تك” كانت عايشة على دعم “مستثمر خفي”، اللي هو في الحقيقة شركة محاماة سامح بيمولها بفلوسي. كل حياته اللي بناها على وهم “العبقري اللي بنى نفسه بنفسه” كانت متمولة بالكامل من الست اللي لسه سايبها برة البوابة زي الكلب الضال!
​سألته ونبرتي مفيهاش الرعشة اللي في صدري: “هو عمل إيه يا سامح؟”
​ظبط سامح نظارته: “شركة نوڤا تك مش مجرد شركة بتخسر يا كريمة.. دي عملية نصب متكاملة! خوارزمية ضغط البيانات اللي كان بيعرضها على المستثمرين في القرية الذكية؟ ما كتبش فيها سطر كود واحد بنفسه!”
​غمضت عيني: “أمال مين اللي كتبها؟”
​”واحد صاحبه قديم من أيام الجامعة.. ولد عبقري بس كان مديون وطالع عين أهله اسمه مازن. كريم سرق الكود من سيرفر مازن، بس مازن قفشه. وبقاله 18 شهر، كريم بياخد السيولة اللي بنحولهاله كل شهر من فلوسك أنتِ، وبيدفعها لمازن من تحت الترابيزة عشان يسكت.. إتاوة وابتزاز تحت مسمى ‘استشارات’.”
​دمي اتجمد في عروقي. ابني ما كانش مجرد ولد مغرور وناكر للجميل.. ده طلع حرامي ومجرم!
​سألته واسمها طالع في بؤي زي الرماد: “وشرين؟ تعرف حاجة؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *