اخويا السببر روايات مشيره محمد

روايات_مشيره_محمد
وأنا حاسة بضلوعها تحت إيدي زي الخيزران الناشف. المطر كان بينزل غزير وبيلزق شعرنا في وشنا، صوت العربيات وهي معدية وبترش المية علينا كان زي الضوضاء في خلفية مشهد مرعب. أمي كانت بترتعش مش بس من السقعة، لكن من القهر.
قومتها بالعافية، ساندة كل وزنها الخفيف قوي ده عليا. فتحت باب العربية، قعدتها في الكرسي اللي جنبي، وشغلت التكييف على الساخن لأقصى درجة. أخدت الفروة اللي كنت حاطاها على الكرسي الخلفي ولفتها بيها، وحطيت إيدي على وشها اللي كان سقعان زي التلج.
”سارة… أنتي بجد هنا يا بنتي؟ ولا أنا بحلم؟” بصوت مبحوح وطالع بالعافية، بصت لي وعيونها مليانة دموع زايغة.
”أنا هنا يا أمي.. والله أنا هنا ومافيش حد هيقدر يلمسك تاني.” مسكت إيدها . “أهم حاجة دلوقتي نروح، تاخدي حمام دافي وتغيري الهدوم دي، وبعدين نتكلم.”
طول الطريق للشقة، أمي كانت ساكتة تماماً، عينها معلقة على الطريق من ورا زجاج العربية اللي بيمسح المطر. كنت شايفاها في المراية النصانية، كان شكلها ينطق بالكسرة. أمي اللي كانت دايماً ست أنيقة، بيتها دايماً مفتوح للناس كلها، وضحكتها مالية المكان، مالها كدة؟ القهر هدمها في 90 يوم بس.
أنا اسمي سارة. شغالة بقالي أكتر من عشر سنين في هيئة الرقابة ومكافحة الفساد والإحتيال المالي. شغلي كله عبارة عن تتبع الخيوط المخفية، قراءة لغة الجسد، وكشف الكدابين والنصابين اللي فاكرين نفسهم أذكياء. طول عمري بشوف أبشع صور الطمع والجشع في شغلي، بس عمر ما يخطر ببالي إن أقذر جريمة هحقق فيها هتكون جوه بيتنا.. والجناة فيها هما أخويا الشقيق “طارق” ومراته “شيرين”.
وصلنا الشقة، ساعدتها تطلع وتحمي، عملت لها شوربة خضار دافية وأكلتها بإيدي زي ما كانت بتأكلني وأنا صغيرة. لما بدأت التدفئة ترد في جسمها ورجعت لشفايفها بعض ألوان الحياة، قعدت جنبها على السرير ومسكت إيدها.
”أمي.. احكي لي كل حاجة. من أول يوم تعبتي فيه وعملتي العملية.”
أمي أخدت نفس عميق ودمعة نازلة على خدها الدافي:
“يا سارة.. أنتي عارفة إن بعد ما أبوكي مات الله يرحمه، الشقة الكبيرة دي كانت كل حيلتي، غير القرشين اللي سابهم لي في البنك. لما تعبت وجالي انسداد الشرايين وتقرر لي عملية القلب المفتوح، أنا كنت خايفة أكون عبء عليكي، وأنتي شغلك صعب وبتسافري كتير. طارق وشيرين أظهروا لي وش الملايكة.. قالوا لي ‘تعالي قعدي معانا يا أمي، وإحنا هنراعيكي ونعمل لك العملية وشيرين هتكون في خدمتك’.”