انتقام مؤجل مشيره محمد

حصري/ روايات مشيرة محمد
الدم انتشر على السلالم الرخام قدام المحكمة قبل ما حد يستوعب إيه اللي حصل. في لحظة، كانت خلود واقفة فوق السلم حاطة إيد على بطنها المنتفخة وبتترجي عشيقة جوزها تسيبها في حالها، واللحظة اللي بعدها، جسمها كان بيتدحرج لورا على درجات سلم قاسية، والكل حواليهم من محامين وموظفين وعابرين وقفوا متجمدين من الرعب. فوق السلم، كانت فيروز واقفة وإيدها لسه مرفوعة، وتحت، كانت خلود مرمية متلوية على الأرض وفستانها الكحلي بتاعها غرقان بالدم. وجنبها، وقع على ركبه بقوة لدرجة إن كفوف إيده اتجرحت من الرخام، “ياسين”. أخوها الكبير. محاميها. الراجل الوحيد في البلد اللي كل مليونير فاسد بيصلي عشان ما يعرفش اسمه. “خلود”، قال بصوت مكسور لأول مرة في حياته، “بصيلي، خليكي معايا”. عيون خلود اتفتحت ببطء، وشفايفها بتترعش، مسكت ياقة بدلته بإيدها الملطخة بالدم. “ياسين”، همست، “البيبي، أرجوك أنقذ ابني”. وبعدها إيدها سقطت وما بقتش حاسة بحاجة. ياسين بص لفوق السلم، لقى وش فيروز مخطوف، ورشدي، جوز خلود، واقف جنبها بيبص ببرود على الست اللي وعدها بالحب لحد الموت. عين ياسين اتعلقت بيهم هما الاتنين، وفي اللحظة دي، فيروز أدركت إن اللي جاي أسوأ بكتير من السجن، لأن ياسين مش هيعيط، ياسين هيدمر كل حاجة فوق دماغهم عشا اخته … من ست سنين، خلود اتجوزت رشدي في فرح مليان ورد وحب وكل العائلات الغنية كانت حاضرة . رشدي كان وسيم جدا وقتها وجذب الانظار ليه كان صاحب شركة مقاولات كبيرة متخصصة في العمارات الفخمة، وابتسامته كانت بتسحر أي حد. خلود صدقت الابتسامة دي، وصدقته لما قال إنه عايز عيلة، ولما مسك وشها في شهر العسل وقالها “عايز بنوتة عينيها زي عينيكي”. قعدت سنين بتحاول تحقق الحلم ده، عمليات حقن مجهري، إجهاض، حقن، ومواعيد دكاترة، وليالي كانت بتعيط فيها على أرضية الحمام عشان الخدم ما يسمعوهاش. في الأول رشدي كان بيواسيها، وبعدين بقى يقف يتفرج عليها من الباب، وبعدين بطل يرجع البيت بدري في أيام مواعيد الدكاترة. لما خلود شافت الخطين الحمر على اختبار الحمل وهي عندها 36 سنة، قعدت على أرضية الحمام وعيطت من الفرحة، اعتبرتها معجزة. جهزت هدية فيها بيبي شوز صغيرة واستنت رشدي في مطبخ فيلتهم، ولما فتح الهدية، ما عيطش، ولا حضنها، بص للاختبار كإنه فاتورة نسي يدفعها. “تمام ..دي حاجة كويسة يا خلود”، قالها ببرود، وعينه كانت في مكان تاني، وفجأة تليفونه رن وقاله “سوري لازم أرد، دي مكالمة شغل”. قعدت خلود لوحدها حاطة إيدها على بطنها وبتحاول تقنع نفسها إن الرجالة بيخافوا ومحتاجين وقت. بس الحقيقة كانت غير كدة..كل حاجة اتغيرت، تليفونه بقى بباسورد، وبدأ يسافر كتير من غير مقدمات، وبقت ريحته دايماً ريحة برفان حريمي هي مش بتستعمله. خلود، اللي كانت بتشتغل مهندسة قبل الجواز، عرفت تلاحظ الخيوط اللي مش ماشية مع بعض، والحقيقة ظهرت ..يوم لما رشدي نسي يسجل خروج من حساب السحابة بتاعه على آيباد البيت. رسالة ظهرت من “ف”: “مش قادرة أبطل أفكر في اللي حصل امبارح، لما تخلص من الحمل الزيادة اللي معاك، وتفضالي شوية، عشان ابننا يستاهل اسمك يا رشدي”. خلود فضلت باصة للشاشة لحد ما الكلام زغلل في عينيها، اكتشفت إن ده مش مجرد نزوة، دي حياة تانية كاملة. فيروز كانت مهندسة ديكور في شركته، والرسائل كانت بقالها سنتين، فيها صور وفواتير فنادق، وكلام وحش عن إجهاضات خلود. والأخطر، إنها اكتشفت إنه بيحول فلوسهم لحسابات خارجية وبيخطط يطلقها قبل الولادة عشان يرميها في الفيلا اللي عليها ديون ويخبي ملايينه. خلود ما صرختش، وما رمتش هدومه في الشارع، أخدت أذكى قرار في حياتها، واتصلت بياسين اخوها المحامي لما حكتله كل حاجة وهو في مكتبه ،قرأ صور المحادثات، ملامحه الهادية اتحولت، وقالها بصوت حازم: ” الحيوان ده ..اقسم بالله هخليه يلف حوالين نفسه..اطلعي من عندك مستحيل اخليكي تكملي معاه “، خلود ضمت بطنها بخوف وسألته: “أمال أعمل إيه؟”.