عادت امي مشيره محمد

حصري/ روايات مشيرة محمد
المستشفى كلمتني الساعة اتنين بالليل وقالتلي إن أمي عايزة تشوفني في أوضة 614. ..أمي الله يرحمها ميتة من تلات سنين ولما قلت للممرضة إنها أكيد غلطانة قالتلي “طب إزاي وهي ماسكة صورتك في إيدها؟” استغربت جدا بس قررت اروح ..دخلت الاوضة وحاولت اقولها اي خيط او اي اثبات يأكدلها ان كلامها غلط سألتها “إيه اسم الكلب اللي جبناه لما كان عندي 8 سنين؟” الست اللي نايمة على السرير اتجمدت لحظة واحدة بس لكن الثانية دي كانت كفاية إني ألمح أول شرخ في تمثيليتها المتقنة وقالتلي بابتسامة مصطنعة “بايك طبعاً فاكر بايك كان بيمشي وراك في كل حتة.” بصيت في عينيها وهزيت راسي بالرفض وقلتلها “لأ إحنا عمرنا ما جبنا كلب أصلاً لأن أمي كانت بتعاني من حساسية شديدة من الحيوانات”. الابتسامة اختفت من على وشها ومبقتش ملامح أم بتحاول تطمن ابنها لكن كانت ملامح واحدة اكتشفت إن التمثيلية باظت خالص. قالتلي بهدوء أعتقد إنك غلطان يمكن الحزن مأثر على ذاكرتك. قاطعتها وقلتلها “انتي مش امي ..أنا اللي رتبت جنازة أمي بنفسي ومعايا شهادة الوفاة ..قوليلي بقى إنتي مين؟ وعايزة مني ايه” مفيش حد رد وفي اللحظة دي دخل اتنين من أمن المستشفى ومعاهم اتنين ظباط. واحدة من الظباط مدت إيديها وقالتلها “يا فندم ممكن أشوف إثبات الشخصية؟” الست اترددت قبل ما تطلع ورقة شهادة ميلاد من ضمن اوراق المستشفى الىي معاها من محفظتها وادتهالي. قلبي وقع في رجلي لأن الصورة اللي على الرخصة كانت للست اللي واقفة قدامي لكن الاسم اللي مكتوب كان تحية أحمد عبد العاطي وهو ده اسم أمي الحقيقي حتى العنوان كان عنوان البيت اللي بعته من سنتين. قلت بصوت واطي “البطاقة دي المفروض متبقاش موجودة أصلاً”. بعدين مدير المستشفى راجع سجلات التأمين والدم هرب من وشه وقال بضيق “في حاجة تانية التأمين ..الصحي بتاعها لسه شغال ماتوقفش ..”كل العيون اتعلقت بشاشة الكمبيوتر والسكوت عم المكان لو أمي فعلاً ميتة من تلات سنين مين اللي كان مكمل حياتها بهويتها ومستخبي في الضلمة كل الوقت ده؟
حصري/ روايات مشيرة محمد
بصيت للمدير وعيوني كانت هتطلع من مكانها من كتر الصدمة والذهول اللي أنا فيه ومقدرتش أتحمل أكتر من كده فزعقت فيه وقولتله “يعني إيه تأمينها شغال هي الميتة بيتعملها تأمين طبي.. ولا أنا اللي اتجننت ولا إيه الحكاية بالظبط” المدير بلع ريقه بصعوبة وبصلي بخوف وقالي” يا أستاذ مفيش داعي للعصبية إحنا كمان متلخبطين زيك بالظبط النظام بتاعنا بيطلع إن رقمها القومي متفعل ومسدد اشتراكاته بانتظام لحد الشهر اللي فات ده حتى فيه روشتات أدوية مكتوبة باسمها ومصروفة من صيدليات مختلفة في مناطق متفرقة في القاهرة” ..الست اللي واقفة قدامي كانت بتبص للأرض ومبتنطقش خالص كأنها مش سامعة أي حاجة من اللي بنقولها بدأت أقرب منها خطوة بخطوة وحسيت إن الدنيا بتلف بيا فجأة الست رفعت عينيها فيا ولقيت نظرة مختلفة تماماً عن نظرة الأم الحنون اللي كانت بتدعيها من شوية دي كانت نظرة باردة وقاسية نظرة حد شافه كتير وعاش تجارب أصعب بكتير من مجرد تمثيلية فاشلة قالت بصوت واطي ومسموع للكل بس بلهجة تقيلة شوية مكنتش ملاحظها قبل كده “صدقني أنا مش عايزة أذيك أنا بس كنت بعيش الدور اللي مرسوم لي مش أكتر من كده” الظابطة قاطعتها وبصوت حازم قالتلها” أظن كفاية كده يا مدام بطاقتك دي ومواصفاتك دي هما اللي هيحددوا إنتي مين بالظبط وايه اللي جابك هنا وانتي ليه شايلة اسم متوفية بقالها سنين “طلعت الست معاها بكل هدوء وسمحت للظباط إنهم يقيدوا إيديها ويخرجوها من المستشفى وأنا كنت واقف مش قادر أتحرك من مكاني عقلي كان بيحاول يربط الخيوط ببعضها إزاي واحدة شبه أمي بالظبط في الشكل وفي الملامح حتى في طريقة الكلام تكون موجودة ومستهدفة هويتها بالتحديد بعد ما بعت البيت وبعد ما كل حاجة خلصت مشيت وراهم وطلعت على القسم رغم إن الوقت كان متأخر جداً بس مكنش ينفع أروح وأنا في دماغي ألف سؤال وسؤال قعدت في ريسبشن القسم مستني أي خبر الظابط اللي حقق معاها خرج وهو باين عليه التعب والارهاق وبصلي وقالي “يا أستاذ دي قض*ية أغرب من الخيال الست دي مفيش أي أثر ليها في قاعدة البيانات لا بصمات ولا سجل جنائي ولا حتى أي حد بلغ عن فقدانها كأنها اتخلقت من العدم أو كأن حد صنعها مخصوص عشان تأدي الدور ده” قولتله “طب واسم أمي والبيانات اللي معاها “قال بصوت واطي “كل ده مزور ومزور بحرفية عالية جداً لدرجة إنها لو راحت أي مصلحة حكومية مش هيشكوا فيها ثانية واحدة… الست دي لما ضغطنا عليها اعترفت بحاجة غريبة قالت إن فيه جهة مجهولة بتبعت لها تعليمات وتفاصيل دقيقة عن حياتنا وعن كل التفاصيل اللي ميعرفهاش غيرنا عشان تعيش الدور ده في أوقات معينة ولأشخاص معينين” قلتله” جهة مين وإيه هدفها من كل ده “الظابط هز رأسه وقالي”لحد دلوقتي منعرفش بس اللي أعرفه إن فيه حاجة كبيرة بتحصل وفيه شبكة متكاملة بتلعب بهويات ناس متوفية عشان أهداف مش مفهومة”.. روحت بيتي وأنا مش حاسس بجسمي رميت نفسي على السرير بس مكنتش عارف أنام خيالات أمي وهي في المستشفى كانت بتطاردني في كل حتة ..في نص الليل موبايلي رن برقم مجهول رديت بتردد “الو “مفيش صوت في الأول وبعدين سمعت صوتها هي صوت الست اللي كانت في المستشفى بتقولي بصوت فيه نبرة تحذير “خبي دارك يا بني وانسى اللي حصل لو عايز تعيش حياتك بسلام لأن الناس دي مش بيسيبوا وراهم أي أثر وأي حد بيحاول يكشفهم بيدفع التمن غالي جداً “قفلت السكة في وشي اخضيت اكترر وقعدت أفكر في كلامها هل ممكن يكون فيه تنظيم كامل بيزور الهويات وبيستخدم ناس عشان يعيشوا حياة المتوفيين طب ليه أنا وليه أمي وليه دلوقتي بعد تلات سنين… تاني يوم الصبح قررت إني مش هسكت وبدأت أدور في ملفات أمي القديمة وفي أوراق البيت اللي بعته ولقيت في وسط الورق ورقة صغيرة مكتوب فيها رقم تليفون قديم وعنوان في منطقة مهجورة في وسط البلد العنوان ده كان بيمتلكه حد كان بيشتغل مع والدي زمان قررت أروح هناك وأشوف إيه الحكاية وصلت للعنوان وكان عبارة عن عمارة قديمة متهالكة دخلت وطلعت الدور التالت لقيت شقة بابها مفتوح نص فتحة دخلت ببطء وكان المكان مليان صور لوالدي ووالدتي وصور ليا أنا وأنا صغير وبجانب الصور دي كان فيه ملفات تقارير طبية وتواريخ وفاة لناس تانية كتير في اللحظة دي عرفت إن الموضوع مش مجرد ست ممثلة ده مشروع ضخم لاستنساخ الهويات أو شيء أكتر رعب من كده سمعت صوت خطوات ورايا وبسرعة استخبيت ورا دولاب قديم دخل راجل عجوز وقعد على المكتب وبدأ يتكلم في التليفون بصوت مسموع كان بيقول فيه” المهمة في المستشفى فشلت والولد بدأ يشك وبدأ يدور معانا خيارات تانية عشان ننهي الموضوع ده” قولت في سري “يا نهار أسود .. أنا كنت مستهدف من البداية “حاولت أخرج من الشقة بهدوء بس رجلي خبطت في كرتونة عملت صوت عالي الراجل العجوز بص ناحية الدولاب وبابتسامة خبيثة قالي بهدوء “أنا عارف إنك هنا من ساعة ما دخلت بس كنت مستنيك تطلع من نفسك.. واهو أقولك الحقيقة الحقيقة اللي هتغير حياتك للابد “طلع الراجل من الدرج ملف كبير ورماه على المكتب وقالي “افتح الملف ده وشوف إيه اللي فيه” روحت عنده بهدوء ومديت ايدي وفتحت الملف لقيت صور ليا وأنا في مراحل عمرية مختلفة وصور تانية لأشخاص تانية وصور لوالدتي وهي في المستشفى في أيامها الأخيرة بس التاريخ المكتوب على الصور دي كان تواريخ حديثة يعني أمي مكنتش ميتة من تلات سنين زي ما أنا فاكر دي كانت عايشة في مصحة سرية تابعة للمنظمة دي لحد وقت قريب جداً سألت الراجل بصوت بيرجف “إ..اييه ده و. ..إيه اللي مكتوب ده” قالي :أمك مكنتش ميتة أمك كانت جزء من تجربة علمية سرية لتمويل عملياتهم وأنت كنت الوسيلة اللي بيضغطوا بيها عليها عشان تنفذ طلباتهم … كانت عايشة في سجن دهبي وكل فترة بيخرجوا شخص بديل عشان يطمنوا عليك ويشوفوا رد فعلك ” حسيت إن الأرض بتتهز بيا كل ذكرياتي عن جنازة أمي وكل دموعي وكل وجعي طلعوا في لحظة واحدة كدبة كبيرة ومؤامرة أكبر مني ومن أي حد اتخيلته في حياتي سألت الراجل “ط..طب والست اللي كانت في المستشفى ” قال” دي مجرد واحدة من ضمن كتير تم تدريبهم وتشكيل ملامحهم بعمليات تجميل دقيقة عشان يقوموا بدور الأشخاص اللي المنظمة بتختارهم “قولتله” ليه أنا وليه أمي” قال بابتسامة” انت بتسأل ؟؟ متعرفش ان والدك كان شريكنا وكان معاه أسرار تقلب الموازين.. بس هو مات قبل ما يسلمنا الأسرار دي وأمك كانت هي الوحيدة اللي تعرف المكان اللي خبى فيه الأسرار دي فضلت عايشة معانا سنين طويلة وهي بتفتكر إنها بتحميك بذكائها وبصمتها بس في الآخر هي خذلتنا وماتت من غير ما تنطق بكلمة واحدة ودلوقتي الدور عليك لأننا عارفين إنها سابتلك حاجة في البيت اللي بعته والبيت ده مكنش مجرد عقار ده كان خزانة أسرار والدك اللي أنا بعته من غير ما تعرف قيمته الحقيقية ومن غير ما تعرف إن جوه حيطانه أسرار كانت ممكن تنهي المنظمة دي كلها ” مابقيتش سامع ولا شايف ولا حاسس باي حاجة في لحظة واحدة وقفت ومسكت الكرسي اللي جنبي وكنت هضربه بيه بس هو طلع مسدس وصوبه ناحيتي وقالي بهدوء “خليك ذكي يابشمهندس .. لو كنت عايزك تموت كنت ق*تلتك من ساعة ما دخلت بس أنا محتاجك عشان تفتحلي الخزنة اللي في البيت ” قولتله” لو فاكر إني هساعدك تبقى موهوم” قالي “ما تقلقش أنا مش محتاجك بلسانك أنا محتاجك بس عشان البصمة بتاعتك هي المفتاح الوحيد اللي بيفتح الخزنة دي” اخدني معاه بالقوة وتحت تهديده بسلاحه وطلعنا على البيت اللي كنت بعته من سنتين والبيت كان مقفول بقاله فترة طويلة ولما وصلنا هناك لقيت المكان لسه زي ما هو مفيش حاجة اتغيرت دخلنا وبدأت أدور على أي أثر للخزنة اللي بيقول عليها وأنا بفكر في طريقة أهرب بيها أو أكلم حد يلحقني او اكلم الظابط اللي بيحقق في القض*ية ..فجأة لقيت باب خفي ورا المكتبة الكبيرة اللي كان والدي بيحب يقعد فيها فتحت الباب ولقيت الخزنة المطلوبة والراجل حط المسدس على دماغي قالي” حط إيدك هنا” حطيت إيدي بتردد وأول ما لمست اللوحة الرقمية الخزنة فتحت وطلعت منها أوراق قديمة وشرايط فيديو وكارت ميموري صغير الراجل كان فرحان جداً لدرجة إنه نسي وجودي للحظة زقني وبدأ يتفرج على الأوراق دي وفي اللحظة دي استغليت الفرصة وضربته بالكرسي اللي كان جنبي وجريت بكل قوتي لبرة البيت وقفلت عليه الباب من برة وناديت على الجيران وكلمت الشرطة اللي جت بسرعة وحاصرت البيت وقبضت على الراجل ده ومعاه كل الملفات اللي كان سرقها من الشقة ومن البيت ..الظابط اللي بيحقق في القض*ية جه واخد الملفات وقدروا يحققوا ويوصلوا للمنظمة … وانتهت الحكاية بإن المنظمة دي اتكشفت واتحاكم كل المسؤولين عنها بس فضل جوايا سؤال ملوش إجابة هل فعلاً أمي كانت عايشة كل السنين دي وهي بتعاني في صمت ولا كانت فعلاً ميتة والمنظمة دي لعبت بعقلي وبالمستندات اللي كانت معاهم عشان يوصلوا لأسرار والدي اللي مكنتش أعرف عنها حاجة في النهاية قررت إني مش هدور على إجابات أكتر من كده وهكمل حياتي بالذكريات اللي عندي حتى لو كانت مشوهة بس على الأقل أنا عارف إني في الآخر أخدت حقي وحق أمي اللي ضاع بين تمثيلياتهم القذرة وأسرار والدي اللي كانت سبب في كل العذاب ده.