القصه كامله بقلم محمد عبده

دخلتُ حافية القدمين، أنزف، ألهث، بالكاد أستطيع الوقوف.
لكن الذي هزّ القاهرة كلها لم يكن وعد سيف الدمنهوري بحمايتي
بل تلك الصورة التي وُجدت بعد دقائق، وأثبتت أن أحدهم كان يراقبني منذ سنوات
بسبب سر لم يكن من المفترض أن أعرفه أبدًا.
كل الوجوه داخل نادي التاج الأسود التفتت نحوي.
رجال أعمال توقفوا عن الكلام.
قاضٍ أنزل كأسه ببطء.
أشخاص لا تُذكر أسماؤهم إلا في ملفات سرية كانوا يحدقون بي، بينما تقطر دمائي على أرضية الرخام الأسود.
لم أهتم.
كان كريم خلفي.
وإن أمسك بي مرة أخرى كنت أعلم أنني لن أنجو.
ثم رأيته
رجل يقف أعلى الدرج، يراقبني.
سيف الدمنهوري
أخطر رجل في القاهرة.
كان يرتدي بدلة سوداء بدون ربطة عنق، يضع يده على السور.
لم يبدُ متفاجئًا لرؤية فتاة شبه فاقدة للوعي تقتحم عالمه.
بل بدا غاضبًا.
ليس مني.
بل ممن فعل بي هذا.
فُتحت الأبواب بعنف.
دخل كريم، والمطر ينساب على وجهه.
قميصه ملطخ بالدماء حيث ضربته بكعب حذائي المكسور.
صرخ
ها أنتِ هنا يا غبية
ثم رفع عينيه نحو سيف.
واختنق صوته.
بدأ سيف ينزل الدرج ببطء.
لم يتحرك أحد.
لا الحراس.
لا السياسيون.
ولا حتى المغنية التي كانت تغني تحت الأضواء الذهبية.
وقف أمامي
خلع سترته ووضعها على كتفي.
دفء القماش كاد يُبكيني.
قال كريم بسرعة
هي سكرانة بتتهور كده. أنا هاخدها البيت.
حاولت أتكلم لكن الألم مزّق صدري.
نظر سيف إلى الكدمات حول معصمي.
ثم سأل بصوت بارد
مين
اللي عمل فيها كده؟
اقترب كريم وقال
دي بتاعتي.
تصلب وجه سيف.
مش من دلوقتي.
ساد صمت ثقيل حتى أن صوت المطر على النوافذ كان مسموعًا.
ضحك كريم بتوتر
إنت مش فاهم إنت بتحمي مين.
اقترب منه سيف خطوة.
أنا عارف كويس إنت مين يا كريم الشافعي
محامي كبير عندك شكاوي تحرش متقفلة
وحبيبة سابقة دخلت المستشفى بعد وقعة مش مفهومة
وأبوك اللي ديونه اتسددت قبل ما ترتبط ب ليلى بثلاث أيام.
تجمّد جسدي.
أنا لم أخبر أحدًا عن والد كريم.
بهت وجهه.
إنت بتراقبني؟
رد سيف بهدوء
أنا براقب التهديدات.
أشار كريم نحوي
دي مش بريئة زي ما إنت فاكر اسألها عن أمها.
نظرت إليه بصدمة.
أمي ماتت وأنا عندي سبع سنين.
ابتسم ابتسامة باردة
ده اللي قالوه لك.
قبل أن أستوعب خانتني ساقاي.
لكن سيف أمسك بي قبل أن أسقط.
يده كانت قوية لكنها حذرة.
قال
يا مروان هات دكتور سامي.
تراجع كريم للخلف.
قال سيف دون أن ينظر إليه
مش هتكلم معاها تاني
مش هتقرب لها
ولا حتى هتنطق اسمها.
بلع كريم ريقه
ولو عملت؟
ابتسم سيف ابتسامة مرعبة
هفكّرك ليه القاهرة كلها بتخاف مني.
هرب كريم.
وآخر ما أتذكره
أن سيف كان يحملني بين ذراعيه.
عندما استيقظت
كنت في غرفة مظلمة، رائحتها خشب وجلد فاخر.
كان سيف يجلس قرب النافذة، يراقبني من بعيد.
همست
أنا فين؟
قال بهدوء
في أمان.
قبل أن أتكلم
دخل رجل يحمل ظرفًا مغلقًا.
قال
فتشنا شقة كريم لازم تشوف ده.
فتح سيف الظرف.
كانت صورة لي
عمري فيها 12 سنة أمام بيت طفولتي.
وخلفي
امرأة تم خدش وجهها بعنف حتى اختفى.
وعلى ظهر الصورة مكتوب
لاقوا البنت قبل ما سيف يعرف إنها لسه عايشة.
تجمّد سيف.
ثم نظر إليّ وكأنه يرى شبحًا.
قال بصوت منخفض
ليلى اسم أمك إيه؟
قبل أن أجيب
انفجرت النوافذ بصوت إطلاق نار.
لو عايز تكملة القصةهنا
تكملة القصة
صوت الرصاص دوّى في الغرفة كأن السماء نفسها انشقت.
الزجاج تناثر في كل اتجاه، واندفع سيف نحوي فورًا، أسقطني أرضًا وهو يغطي جسدي بجسده.
صرخ
اطفوا النور!
غرق المكان في ظلام مفاجئ، ولم يعد يُسمع سوى أصوات إطلاق النار وصراخ الحراس في الخارج.
قلبي كان يدق بعنف
كنت أرتجف لكن ليس من الخوف فقط.
بل من السؤال الذي لم يُجب بعد
من أمي؟
أمسك سيف بيدي بقوة وهو يهمس
اسمعي كويس أي حاجة هتحصل، متبعديش عني.
أومأت برأسي، بالكاد أتنفس.
ثم سحبني بسرعة نحو باب سري خلف المكتبة.
فتح الباب، ودفعني للداخل.
امشي قدامي!
كان ممرًا ضيقًا ومظلمًا، بالكاد نرى فيه طريقنا.
خلفنا، كانت أصوات الاشتباكات تزداد.
رصاص صراخ أوامر.
الحرب بدأت.
وصلنا إلى غرفة صغيرة مضاءة بمصباح خافت.
أغلق سيف الباب خلفه بإحكام.
نظر إليّ هذه المرة بجدية مختلفة.
مفيش وقت لازم أعرف دلوقتي.
ابتلعت ريقي.
اسم أمك إيه؟
صمتُ لثوانٍ
ثم خرج الاسم من بين شفتيّ كأنه سر مدفون منذ سنوات
نادية نادية المنصوري.
تغير وجه سيف فورًا.
لم يكن مجرد اندهاش
بل صدمة حقيقية.
تراجع خطوة للخلف، وكأن الأرض اهتزت تحته.
مستحيل
اقتربت منه بقلق
إيه؟ إنت تعرفها؟
نظر إليّ بعينين مليئتين بأسئلة مخيفة.
نادية المنصوري مش بس أمك.
توقف لحظة ثم قال بصوت منخفض
دي كانت أخطر واحدة في اللعبة دي كلها.
شعرت أن الدم تجمد في عروقي.
لعبة؟ أي لعبة؟ أنا مش فاهمة حاجة!
أخرج سيف الصورة من جيبه، وأشار إلى المرأة التي تم خدش وجهها.
دي مش واحدة عادية
دي كانت شريكة في شبكة كبيرة ناس فوق القانون
ناس لو اسمهم اتقال، الدنيا كلها تقع.
اقتربت من الصورة ببطء
يعني إيه؟
نظر إليّ بحدة
يعني أمك ما ماتتش زي ما قالوا لك.
اتسعت عيني.
إيه؟!
اختفت.
صوت خبط قوي على الباب قطع الكلام.
صرخ أحد الحراس من الخارج
باشا! المكان محاصر!
نظر سيف نحوي بسرعة، واتخذ قراره في لحظة.
هم جايين علشانك.
أنا؟! ليه؟!
اقترب مني هذه المرة بنظرة مختلفة تمامًا.
ليست نظرة حماية فقط
بل نظرة رجل اكتشف شيئًا خطيرًا.
قال
علشان إنتِ المفتاح
مفتاح لإيه؟!
رد بصوت منخفض
لكل حاجة أمك خبّتها
ثم أمسك بيدي بقوة
ومن دلوقتي حياتك مش هترجع زي الأول أبدًا.
انفجر الباب فجأة
ودخل رجال مسلحون.
رفع سيف سلاحه فورًا، ودفعني خلفه.
خليكي ورايا!
بدأ إطلاق النار من جديد
لكن هذه المرة لم أكن مجرد ضحية.
كنت الهدف.
وفي وسط الفوضى
سمعت أحدهم يصرخ
خدوها حية! البنت دي أهم من أي حد!
وقتها بس فهمت الحقيقة المرعبة.
أنا لم أكن أهرب من الماضي
الماضي هو اللي كان بيطاردني.
عايز الجزء التالت؟ واللي جاي هيكون أخطر بكتير
الجزء الثالث
انفجر الباب بالكامل
ودخل المسلحون كالعاصفة.
الرصاص كان بيعدّي من جنب ودني
والصوت كان كفيل يخلي أي
لمحة نيوز