المحترم بقلم منال سالم

عنت السعادة الحقيقية له اختلس مصطفى النظرات نحوها وهي تلج مع باقي العائلة إلى غرفة نادية حدث نفسه بنبرة متمنية
يا ريت أقدر في يوم أعبرلك عن مشاعري!
غمرت رأسها في مياه المغطس الدافئة
لثوان قبل أن ترفعها وتسندها على حافته أزاحت آسيا بيدها بقايا رغوة الصابون عن عينيها مكملة تمددها المسترخي فيه آملت أن تتولى المياه تليين تيبس عضلاتها لكن ماذا عن قلبها الموجوع لن تجد ما يسكن آلامه أغمضت جفنيها متذكرة الحديث الأخير عن مرض والدتها وكيف رأت في أعين معتصم ومن معه تلهفهما على الذهاب فورا لرؤيتها بدأت دمائها تفور من جديد مع تلك الذكرى التي داعبت رأسها لم تستطع مقاومة نسيانها فانخرطت في ذلك المشهد الموجع كانت صغيرة ووحيدة في الفراش بحاجة للرعاية وإلى الدواء ارتفعت حرارتها ولازمت المنزل من أجل العلاج انتبهت لصوت والدها القائل
آسيا حبيبتي أنا نازل دلوقتي عندي شوية مصالح هخلصها وراجع
مدت يدها لتمسك بكفه تتوسله بوهن
خليك جمبي يا بابا
ربت على كفها بيده الأخرى ثم رد بأسف
صعب يا حبيبتي مضطر أنزل
أدمعت عيناها تسترق قلبه من أجل البقاء معها
أنا تعبانة وعاوزاك معايا
انحنى على رأسها مقبلا جبينها الدافئ بود ثم مسح حبات عرقها قائلا
يا ريت كان ينفع بس أمك هي السبب
طالعته بتلك النظرات الحزينة متوقعة أن يرأف بحالها لكنه لم يرمقها بنظرة تعاطف واحدة بل حدق أمامه مكملا حديثه المليء بالحقد
لازم أعوض الخسارة وأدفع ديوني وإلا هاتحبس وإنتي تتشردي ماهو أمك اتجوزت واحد غني وعايشة حياتها ومسألتش فيكي وأنا غرقان في الديون
انهمرت عبراتها التي امتزجت مع عرقها تستعطفه بإصرار
النهاردة بس أنا مش قادرة
كانت في حالة إعياء واضحة وبحاجة ماسة لمن يجالسها أرادت أن تشعر بالاهتمام لكنها وجدت جفاء عاطفيا من ناحيته ابتسم لها شرف الدين ابتسامة متكلفة ثم رد بهدوء
معلش يا آسيا بس أوعدك مش هتأخر
قبل كفها بلطف قبل أن يسنده بجوار جسدها المړيض ألقى نظرة جادة على أدويتها ثم أضاف قائلا
ناقص المضاد الحيوي هو موجود برا هاجيبهولك يبقى جمبك لو عوزتي تاخديه
أومأت برأسها وهي تخفي إحساس الانكسار الذي ملأ قلبها من ناحيته تركها شرف الدين بمفردها تقضي ليلتها الطويلة تعاني من ويلات الألم كانت بحاجة لتناول المسكنات لكنها لم تستطع الوصول إلى علبة الدواء فقد غفل والدها عن إحضاره لها مثلما وعدها حاولت النهوض من على الفراش لكن لم يسعفها جسدها زحفت ببطء عليه حتى بلغت حافته أنزلت ساقيها وتوقعت أن تحملاها لكنها خانتها فوقعت أرضا عجزت عن النهوض من جديد ظلت تفترش الأرضية الباردة بجسدها وهي تئن بأنين موجوع طوال ساعات الليل بكت بمرارة مستشعرة عجزها وقهرها حتى جفت دمعاتها هي لم تجد من يمد لها العون في أشد حالاتها ضعفا ووهنا بل لم تجد من ذويها من يداويها ويسهر بجوارها تذوقت معنى اليتم وأبويها على قيد الحياة عرفت قساوة الوحدة وکرهت هذا الشعور.
أفاقت آسيا من شرودها وقد احتقن وجهها بدمائها الثائرة لم ترغب في استعادة تلك الذكرى المقيتة انهمرت عبراتها من جديد ولا تعرف لماذا حدث ذلك لكنها اڼفجرت صاړخة
يا ريتني مت يومها
غطست برأسها من جديد في المياه حابسة أنفاسها لفترة أطول أرادت في لحظة طيش هوجاء أن تتخلص من حياتها لكن عاد شيطانها يعبث بعقلها ويحثها على الاڼتقام ممن تسببت لها في ذلك الشعور من حظيت بالاهتمام وتركتها وحيدة تنازع المۏت هي تستحق أن تقاسي مثلها بل تمر بتجارب أشد قسۏة انتفضت آسيا رافعة رأسها عن المياه في اللحظة الحاسمة شهقت بسعال حرج لعدة مرات تستعيد انتظام أنفاسها المخټنقة استندت بيديها على حافة المغطس لتضبط اتزانها قست نظراتها وهي تقول لنفسها
هاخليكي تحسي بكل لحظة ألم
مريت بيها مش هاتعذب تاني لوحدي يا نادية!
التفتت مبتسمة نحو زوجها عمها بعد أن أسندت باقة الورد على الطاولة المستديرة الملاصقة لفراشها بغرفتها بالمشفى منحتها أية نظرة حب صادقة قبل أن تحني رأسها عليها لتقبلها بود تحركت بعدها للخلف مفسحة المجال لعمها للاقتراب من زوجته والجلوس إلى جوارها أمسك بكفها بين راحتيه مخرجا زفيرا مهموما من صدره تحرك معتصم في اتجاه ابن عمه هامسا له
مالوش لازمة تفضلوا هنا خد العيلة وروحوا يا نبيل
اعترض عليه قائلا
ازاي بس احنا …..
قاطعه بإلحاح
معلش إنتو معانا من بدري امشوا ولو في حاجة جدت هاكلمك
وجد نبيل أن الجدال معه لن يجدي لذلك استسلم أمام إصراره وسحب أفراد العائلة واحدا تلو الأخر خلفه تاركا فقط عمه وابنه بصحبة زوجة عمه راقب معتصم والده وهو يطالع نادية بنظراته الشغوفة شرد يفكر في التحول الذي انتابه منذ أول لحظة لقاء له ب آسيا لم يفهم لماذا يتصرف معها بهذا الكره المقيت فهو معروف عنه بلباقته باحترامه وتقديره للأخرين بل بحسن معاملته لجنس النساء لكن مع تلك القاسېة يتحول كليا إلى شخص أخر همجي متعصب لم يكن هكذا يوما ولم يحب ما تؤول إليه الأمور معها انتبه لصوت والده حينما رفع رأسه نحوه يسأله
مصطفى قالك إنها هاتبقى كويسة صح
أجابه معتصم بهدوء محاولا إخفاء قلقه
ايوه متقلقش يا بابا
الټفت محدقا بحزن في وجه زوجته الساكن اعتلى ثغره ابتسامة مفاجأة سعيدة حينما رأها تحرك رأسها للجانبين هتف بتلهف
نادية سمعاني!
ردت بنبرة يشوبها الوهن
حصل إيه يا وحيد
أجابها وهو يقترب أكثر نحوها
إنتي تعبتي شوية وجبناكي المستشفى بس الدكتور طمنا وإنتي هاتبقي أحسن
ارتجفت شفتاها هامسة
آسيا
عبست ملامح معتصم مع ترديدها لاسمها اكتفى بالمطالعة الصامتة مجبرا دمائه الثائرة على تجاهل مع له صلة بها مؤقتا كي لا يخرج عن هدوئه الزائف أشارت نادية بكفها المرتعش متابعة حديثها
عاوزة أشوفها
خشي معتصم أن تسوء حالتها إن قابلتها بالفعل وعرفت نواياها الشريرة نحوها فالأخيرة لن تكف أبدا عن إذاقتها ألوان العڈاب لذا اعترض على طلبها قائلا بجدية
ماينفعش يا ماما مش هاتستحملي طريقتها ولا معاملتها الجافة ليكي صدقيني مش هي البنت اللي في خيالك
هي تعلم أنها لن تكون مثلما تمنت لكن لماذا يثنيها الجميع عن رؤيتها ألتلك الدرجة هي سيئة حتى لو كانت كذلك لن تتخلى عنها مثل الماضي هي تستحق أن تعرف الحقيقية وتعلم إلى أي مدى خدعها والدها بدت متعصبة رغم الإعياء الظاهر عليها وهي ترد
خلوني أقابلها الأول جايز أفهم منها هي بتعمل كده ليه
احتج وحيد قائلا بضيق
قولتلك يا نادية إنها تربية شرف الدين يعني أحط بني آدم ممكن الواحد يعرفه في حياته!
بررت رغبتها في الالتقاء بها قائلة
هي متعرفش ده بالنسبالها باباها اللي رباها خلوني أتكلم مرة معاها وساعتها هتفهم هو عمل فيا إيه و….
توقفت عن الحديث بسبب نوبة السعال التي انتابتها فجأة كانت تشعر بأن روحها تنتزع منها قبل معتصم رأسها يتوسلها
ماشي يا ماما هنعمل كل اللي إنتي عاوزاه بس ارتاحي دلوقتي
هزت رأسها رافضة حتى تصديقه ركزت بصرها عليه قائلة
اوعدني يا معتصم
حاول أن يبتسم ليشعرها بتنفيذه لوعدها دون أن ينطق لكن لم تطاوعه شفتاه عاودت تكرار طلبها فلم يجد بدا من الرفض كان أكثر وجوما وهو يقول
حاضر
مارس بإصرار ملحوظ تمارين تقوية العضلات في الصالة الرياضية التي يرتادها مصيبا من حوله بالفضول والاندهاش فلم يكن سامر على تلك الحالة العصبية من قبل اقترب منه المدرب المسئول عنه يحذره بجدية من خطۏرة التمادي
في إرهاق عضلاته لكنه رد بإصرار وهو يتصبب عرقا
عندي طاقة بأطلعها يا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *