ارجع لها

​قلبه نط من مكانه.
​رد بسرعة.
​«انتِ كويسة؟»
​«أيوة.»
​«والبيبي؟»
​«كويس.»
​إياد اتسند لورا.
​«طب بتتصل ليه؟»
صوت نورا اتغير.
​«عشان مريم قالت لي على حاجة النهاردة بالليل.»
​إياد اتعدل في قعدته وقرب التليفون.
​«إيه اللي حصل؟»
​«كانت عارفة موضوع ميرنا.»
​سكوت تام.
​وش إياد اتخطف والدم هرب منه.
​«إيه؟»
​«شافت الرسائل بتاعتكم من كام شهر.»
​قام وقف في مكانه.
​«لا.. مستحيل.»
​«شافتهم على الآيباد بتاعك.»
​إياد مشي ناحية الرخامة، وبص للآيباد اللي كان محطوط هناك.
​«شافت قد إيه؟»
​«اللي يكفي.»
​حط إيده على الرخامة وبيسند نفسه.
​نورا كملت.
​«فضلت ساكتة عشان كانت فاكرة إني لو عرفت، همشي وأسيب البيت.»
​إياد غمض عينيه.
​ولأول مرة من ساعة ما نورا مشت وسابته، حس بحاجة أوحش من الذنب.
​العار.
​«كانت فاكرة إنها مسؤوليتها هي إنها تحافظ على العيلة دي ماسكة نفسها»، نورا قالت.
​«هي فين دلوقتي؟»
​«معايا.»
​«أنا جاي لكم حالاً.»
​«لا يا إياد.»
​« دي بنتي!»
​«وهي أخيراً نامت بعد ما فضلت تعيط ساعة كاملة بسبب حاجة انت عملتها.»
​إياد ما نطقش.
​«هي محتاجة هدوء النهاردة بالليل»، نورا كملت. «مش محتاجة تبريرات وشرح.»
​المكالمة سكتت خالص.
​بعدين إياد سأل، «هي بتكرهني؟»
​إجابة نورا جات ببطء.
​«أفتكر إنها خايفة أكتر إنها تطلع شخص ينفع تبيعه وتسيبه بسهولة.»
​الجملة دي كسرت حاجة جواه.
​بعد ما المكالمة خلصت، إياد طلع على السلم وفتح باب أوضة مريم.
​الأوضة كانت فاضية.
​كتبها كانت لسه متكومة على المكتب.
​إياد فضل واقف في نص الأوضة، حاسس بتقل مش طبيعي في صدره. المكان اللي كان ديماً زحمة بصوت ضحكها وأغانيها بقى فاضي ويخوف.
​بص على مكتبها، لقى صورة قديمة متبرقعة محطوطة جنب الكشكول بتاعها—صورة تجمعهم هما التلاتة: هو ونورا ومريم، في عيد ميلادها الـ 14 في الإسكندرية. نورا كانت بتضحك من قلبها، ومريم حاضناها، وهو كان واقف وراهم بيبتسم… بس ببال مش موجود مع الدوشة.
​تليفونه رن تاني في جيبه.
​اسم ميرنا ظهر على الشاشة.
​بص للاسم كام ثانية، وبدل ما يرد، داس على زرار الصامت ورمى التليفون على السرير. الريحة والهروب اللي كان فاكرهم “حرية” و”راحة” بقوا فجأة خنق وتقال زي الجبل.
​في نفس الوقت في الشيخ زايد، نورا كانت قاعدة جنب مريم وهي نايمة، بتملس على شعرها ببطء.
​الهدوء في البيت الصغير كان مختلف عن هدوء المعادي؛ ما كانش هدوء خوف أو كتمة، كان هدوء بداية جديدة.
​نورا حطت إيدها على بطنها لما حسيت بالبيبي بيتحرك تاني، وهمست بصوت واطي جداً:
​«خلاص يا حبيبي.. الجاي كله أمان.»
إياد قفل باب أوضة مريم ببطء، ونزل المطبخ وهو حاسس إن الشقة كلها بقت واسعة زيادة عن اللزوم، وباردة بشكل يخنق.
​تليفونه رن تاني. ميرنا.
​المرة دي رد.
​«إياد؟ انت فين؟ بتصل بيك من بدري.»
​صوتها كان عادي، مهتم بس من غير تقل، الصوت اللي كان بيهرب ليه لما الدنيا تتقل في البيت. بس النهاردة، الصوت ده كان بيخليه عايز يرجع.
​«أنا في البيت يا ميرنا.»
​«طب إيه؟ هشوفك بكرة على الغدا؟ حجزت في المكان اللي بنحبه في الزمالك.»
​إياد سكت لثواني، وبعدين اتكلم بصوت هادي ومختلف تماماً عن كل مرة:
​«لا يا ميرنا. مش هينفع نشوف بعض تاني.»
​ميرنا سكتت، وبعدين ضحكت بخفة:
​«انت اكيد بتتكلم عشان نورا مشت ومظلوم ومضغوط.. اهدى شوية و—»
​«مريم كانت عارفة.» إياد قاطعها.
​السكتة المرة دي كانت طويلة.
​«مريم كانت عارفة عننا من شهور»، كمل إياد وشعور العار بياكل فيه. «بنتي كانت شايلة السِر ومستحملة عشان خايفة البيت يتهد. أنا دمرت كل حاجة يا ميرنا.. عشان ولا حاجة. بلاش تتصلي بيا تاني.»
​قفل السكة قبل ما تسمع رده، وحظر رقمها.
​عدت الأسابيع السريعة، وإياد حاول بكل الطرق يطمن على نورا ومريم، بس نورا كانت واضحة جداً: التواصل عن طريق المحامي وعن طريق رانيا أم مريم فقط، ولما مريم تطلب تشوفه بنفسها.
​في الأسبوع الـ 38، نورا جات لها آلام الولادة.
​كريم أخوها أخدها على مستشفى في أكتوبر، ورانيا جابت مريم وجات فوراً.
​إياد عرف بالخبر من أمه اللي اتصلت بيه وهي بتعيط. وصل المستشفىجري، بس لما وصل، كان الولد خلاص اتولد.
​فضل واقف في الطرقات، مش قادر يدخل الأوضة من غير إذن.
​بعد ساعة، رانيا خرجت من الأوضة، بصت له بنظرة هادية فيها شفقة، وقالت له: «نورا سمحت لك تدخل تشوف ابنك يا إياد.»
​دخل الأوضة ببطء.
​نورا كانت قاعدة على السرير، شكلها تعبان بس عينيها فيها صفاء وغرور ست عرفت قيمتها خلاص. مريم كانت قاعدة جنبها ماسكة إيد النونو.
​إياد قرب بخطوات مكسورة. بص للوليد الصغير اللي في حضن نورا، وبعدين بص لنورا.
​«حمد الله على سلامتك.»
​«الله يسلمك يا إياد.»
​«سميتوه إيه؟»
​نورا ابتسمت وبصت لمريم: «مريم هي اللي اختارت اسمه.. سميناه يوسف.»
​إياد عينيه اتملت دموع، وقرب إيده ببطء عشان يلمس كف يوسف الصغير.
​«نورا.. أنا—»
​«ما تقولش حاجة يا إياد»، نورا قاطعته بهدوء تام، من غير أي كره أو عصبيّة. «اللي بيننا كزوج وزوجة انتهى خلاص وأوراق الطلاق هتجيلك من المحامي. بس انت هتفضل بابا يوسف وبابا مريم، وده الحق الوحيد اللي مش هحرمك منه لو انت اخترت تكون أب بجد.»
​إياد بص لنورا، وبعدين بص لمريم اللي كانت بتبص له بنظرة فيها أمل خفيف إن أبوها يتغير.
​لأول مرة في حياته، إياد فهم إن القوة مش في السيطرة ولا في الفلوس ولا في الهروب.. القوة كانت في الست اللي سابته ومشت وهي حامل، وعلمته الدرس اللي عمره ما هينساه.
​

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *