امك لم تمت

«أمك مش ميتة يا بيه… أنا شفتها امبارح بالليل بتدور على أكل في الزبالة.»
الجملة نزلت على العزا زي الصاعقة. أنا كنت واقف قدام الخشبة المقفولة بتاعت أمي، إيديا متلجة وصدري فاضي من الصدمة، لما الطفل النحيف ده شق طريقه بين ورد العزا الأبيض والناس اللي لابسة أسود.
الشيخ اللي كان بيقرأ قرآن سكت ومسك المايك في إيده مش فاهم حاجة. أخويا “شريف” مسك دراعي جامد وقال لي:
— ما تسمعلوش يا حازم! ده عيل صايع من الشارع، أكيد حد زاقه علينا عشان يعمل شو.
بس أنا ما قدرتش أشيل عينيا من عليه. عيل عنده يجي 12 سنة، تيشيرته وسخ، وكوتشيه مقطوع ومهرود، بس عينيه ما كانش فيها نظرة شحاتة… كان فيها ترجي إن حد يصدقه.
دار المناسبات في “مسجد الشرطة بالشيخ زايد” كانت مليانة على آخرها: رجال أعمال، جيراننا بتوع “القطامية هايتس”، صحفيين، وقرايب ما افتكروش أمي من سنين، بس طالعين النهاردة يعيطوا ويمثلوا الحزن كأنهم كانوا يموتوا فيها.
أمي، الحاجة “فاطمة”، كانت اختفت من 5 سنين. أنا دورت عليها لما حيل هد: صور في كل حتة، برامج تلفزيون، تحريات، ومكافآت. وقبل أسبوعين، الطب الشرعي بلغنا إنهم لقوا جث\ة عند طريق “مصر الإسكندرية الصحراوي” والمواصفات قريبة جداً منها. ما كانتش نتيجة D.N.A حاسمة 100%، بس العيلة كلها ضغطت عليا عشان أوافق وأقفل الملف. “يا حازم لازم ترتاح وتعدي الأزمة دي”، ده اللي كان شريف بيزنه في ودني كل يوم.
وآديني واقف، عمال أدفن صندوق يمكن ما يكونش فيه أمي اصلا.
نزلت لمستوى الولد وسألته بصوت مكسور:
— شفتها فين يا ابني؟
— عند “عزبة الهجانة”، ورا السور المهدوم بتاع الدائري.. كانت لابس سلسة فيها فراشة فضة، وفيها حجر أخضر، والجناح الشمال بتاع الفراشة دي مكسور ومحكوك.
دمي اتصفى من جسمي.. اللقمة وقفت في زوري.
التفصيلة دي عمرها ما نزلت في جرانيل ولا تلفزيون! السلسلة دي كانت بتاعت ستتي الله يرحمها، وأمي ما كانتش بتخلعها من رقبتها أبداً. والجناح المكسور ده؟ أنا اللي كسرت طرفه وأنا صغير لما رميت الكورة بالغلط في الصالة، وأمي رفضت تصالحها وقالت لي: “الخدش ده فكراني بيك وبشقاوة زمان، الأحسن يسيب أثر”.
وش شريف اتخطف ولونه بقى أصفر زي الليمونة:
— حازم! أنت اتجننت؟ أنت في صدمة وعقلك مش فيك! مش هتوقف الجنازة والعزا عشان كلام عيل صايع وبيخرف!