ارجع لها

«يعني قاعدة في مكان تاني شوية.»
سكتت.
بعدين سميحة (أمه) سألت، «انت عملت إيه؟»
نرفزته رجعت فوراً.
«هو ليه الكل بيقترض إني أنا اللي عملت حاجة؟»
«عشان نورا مش بتسيب البيت لما المشاكل تتقل.»
إياد ما نطقش.
سميحة كملت.
«عيادة دكتور القلب اتصلت. نورا في العادي بتأكد كل حاجة، فـ أكد انت الميعاد.»
سكتت تاني.
المرة دي أطول.
«ماشي يا إياد»، قالت بصوت واطي.
وقفلت السكة.
إياد فضل واقف لوحده في المطبخ.
ولأول مرة، لمس دوسيه على الرخامة.
«معلومات العيلة».
جواه كان في قوائم أدوية مطبوعة، وأرقام التأمين، وأرقام الطوارئ، وعناوين العيادات والمواعيد.
نورا كانت منظمة كل حاجة قبل ما تمشي.
حتى وهي مكسورة، تأكدت إن مافيش حد من عيلته هيتأذى بسبب مشيها.
تليفونه رن تاني.
المرة دي كانت مريم (بنته).
«بابا، هي نورا مشت بجد؟»
إياد كتب:
«بنزبط الأمور سوا يا حبيبتي.»
تلات نقط ظهروا بتوع الكتابة.
بعدين اختفوا.
بعد دقيقة، مريم بعتت رسالة تانية.
«أنا رايحة أشوفها بكرة.»
في الناحية التانية من المدينة، نورا كانت قاعد في البيت الصغير في الشيخ زايد ماسكة مج شاي بإيديها الاتنين.
البيت كان قديم.
الخشب بتاع الأرضية بيعمل صوت.
كرتونة أمازون نص مفتوحة كانت جنب الكنبة، بعتها أخوها كريم.
جواها كان في جهاز كينديل للقراءة، وبطانية ناعمة، وورقة مكتوب فيها:
«مش لازم تبقي قوية في كل دقيقة.»
نورا حضنت الورقة عند صدرها.
بعدين تليفونها رن.
مريم.
نورا ردت.
«ألو يا حبيبتي.»
لكام ثانية، ما كانش في غير صوت نفس.
بعدين البنت اللي عندها 16 سنة همست وهي بتعيط.
«انت هتسيبيني أنا كمان؟»
نورا غمضت عينها.
تماسكها أخيراً اتكسر.
«لا»، همست. «عمري ما هسيبك انتِ.»
نورا فضلت حاطة التليفون على ودنها ومريم بتعيط.
الصوت كان مكتوم في الأول، كأن البنت عندها 16 سنة ومكسوفة ومش عايزة حد يسمعها.
«يا حبيبتي اسمعيني»، نورا قالت بصوت حنين. «أنا مش هسيبك.»
«بس انتِ سبتي بابا.»
«ده موضوع تاني خالص.»
«بس مش حاسة إنه مختلف.»
نورا غمضت عينها.
كانت فاهمة اكتر ما مريم متخيلة.
لما نورا اتجوزت إياد، مريم كانت خلاص عدت بتجربة تفكك أسري قبل كده.
طلاق أبوها وأمها كان محترم على الورق، بس الأطفال نادراً لما بيشوفوا الطلاق من خلال الورق والقضايا.
مريم فاكرة بيتين.
جدولين للكريسماس والأعياد.
جزمة المدرسة اللي بتتنسی.
والخوف المستمر من إنها لو حبّت طرف أكتر قدام التاني، هتجرحه.
نورا عمرها ما حاولت تاخد مكان رانيا (أم مريم الحقيقية).
ولا عمرها طلبت من مريم تقول لها «ماما».
هي كانت بتتواجد وتظهر بس.
لما مريم كان عندها 13 سنة وجات لها أول نوبة هلع قبل حفلة المدرسة، نورا قعدت جنبها على أرضية الحمام يجي ساعة كاملة.
لما مريم بدأت تروح لدكتور نفسي، نورا كانت بتقعد تستناها في العربية في الباركينج كل يوم خميس ومعاها شيكولاتة سخنة من ستارباكس.
لما إياد نسي اجتماع الآباء في المدرسة عشان كان عنده عشا شغل مع عميل، نورا هي اللي راحت.
لما مريم كانت بتتعلم السواقة، نورا سابتها تتدرب في باركينج كارفور الفاضي عشان إياد كان بيخلق ويتعصب بعد 10 دقايق.
المواقف دي كانت تبان صغيرة.
دلوقتي نورا استوعبت إن مريم بنت إحساسها بالأمان من المواقف دي.
«ينفع أجي أشوفك؟» مريم سألت.
نورا بصت ناحية الشباك اللي بيشتي.
«أيوة. بس لازم أكلم مامتك الأول.»
«مش لازم.»
«لا، لازم يا مريم.»
نورا ما كانتش هتحط مريم في موقف تختار فيه أطراف.
اتصلت برانيا على طول.
رانيا ردت من تاني رنة.
«ألو، كل حاجة كويسة؟»
«رانيا، كنت عايزة أستأذنك قبل ما مريم تجي لي هنا.»
كان في سكتة.
«يعني الخبر طلع صح.»
نورا فهمت هي تقصد إيه.
«أيوة.»
رانيا اتنهدت ببطء.
«أنا آسفة يا نورا.»
«شكراً يا رانيا.»
سكتة تانية عدت.
بعدين رانيا قالت، «هي بتموت فيكي وبتثق فيكي. أنا مش هشيل ده منها عشان إياد عك ودك الدنيا.»
بعد ساعة، مريم وصلت وهي شايلة شنطة ضهر ولابسة سويت شيرت واسع بتاع جامعة القاهرة.
نورا فتحت باب البيت.
مريم دخلت في حضنها على طول.
البنت مسكت فيها بقوة لدرجة إن نورا اضطرت تسند نفسها على الحيطة.
«أنا آسفة»، مريم همست.
نورا بعدت شوية.
«على إيه يا مريم؟»
مريم بصت تحت.
«أنا كنت عارفة.»
نورا اتثبتت مكانها.
«عارفة إيه؟»
وش مريم اتملى دموع.
«عن ميرنا.»
الصوت اتسحب من الأوضة.
نورا أخدتها وقعدتها على الكنبة.
«من امتى؟»
«من كام شهر كده.»
صدور نورا اتقفل.
مريم مسحت دموعها.
«بابا ساب الآيباد بتاعه في المطبخ ليلة. الرسائل بتاعته كانت لسه متصلة بالتليفون.»
نورا ما نطقتش.
«أنا ما كنتش بتجسس والله. الرسالة ظهرت فجأة.»
«كان مكتوب فيها إيه؟»
مريم اترددت.
بعدين طلعت الكلام بصعوبة.
«كانت بتقول له إنها مشتاقة تفتح عينها وتلاقيه جنبها.»
نورا بصت بعيد.
البيبي اتحرك تحت ضلوعها.
أخدت نفسها بالعافية عشان تعدي الوجع.
مريم كملت.
«قلت يمكن فهمت غلط. بس بعد كده كان في رسائل تانية.»
«ليه ما قلتيليش يا مريم؟»
مريم بدأت تعيط أشد.
«عشان خفت تمشي وتسيبينا.»
قلب نورا اتكسر.
مش عشان إياد خانها.
عشان في طفلة قضت شهور بتحمي جواز ما كانش مسؤوليتها أصلاً.
«يا حبيبتي يا مريم..»
«قلت لو سكت وما اتكلمتش، يمكن هو يبطل من نفسه.»
نورا قربت منها.
«انتِ عمرك ما كان المفروض تشيلي شيلة زي دي.»
«ما عرفتش أعمل إيه.»
«انتِ مجرد بنت عندها 16 سنة.»
مريم غطت وشها.
نورا شدتها في حضنها.
«انتِ عمرك ما كنتِ مسؤولة عن إننا نفضل متجوزين.»
«بس لو كنت قلت لك—»
«لا يا مريم.»
صوت نورا بقى أشد وأقوى.
«لو جوازنا كان هيعيش بس لمجرد إنك شايلا سِره ومستحملة، يبقى الجواز ده كان مكسور وميت من الأول.»
مريم فضلت تعيط في حضنها.
لكام دقيقة، محدش اتكلم.
بعدين مريم همست، «انتِ بتكرهيه؟»
نورا بصت ناحية الركن الصغير اللي بدأت تجهزه للنونو.
«لا.»
مريم بعدت، ومستغرب.
«أنا زعلانة وموجوعة. بس الكره هيخليه ياخد مساحة أكبر في حياتي، وهو ما يستاهلش.»
مريم فضلت تبص لها.
«انتِ هتعملي إيه دلوقتي؟»
«أنا هولد أخوكي الصغير.»
ولأول مرة، مريم ابتسمت بضعف.
«وبعد كده، هبدأ أعرف أنا مين لما أبطل أقضي كل يوم من حياتي بحاول ألملم وأمسك الباقيين عشان ما يقعوش.»
بالليل، نورا اتصلت برانيا تاني.
حكت لها على اللي مريم اعترفت بيه.
رانيا سكتت فترة طويلة.
بعدين قالت، «إياد لازم يعرف.»
نورا وافقت.
بس ما كانتش هتجبر مريم هي اللي تقول له.
في الناحية التانية من المدينة، إياد كان قاعد لوحده في بيت المعادي لما تليفونه رن.
«نورا؟»