ندي

​وسليم، بدل ما يدافع عنه أو يسكتني، حط كاس المية على التربيزة بالراحة جداً.
​—كملي يا ندى.. أنا سامعك.
​في اللحظة دي بس، فهمت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي:
​سليم مكنش قاعدني جنبه عشان يحميني..
​كان قاعدني جنبه عشان يشوف أنا هعمل ايه لما الكل يستنى مني أوطي راسي وأخاف.
​ومكنتش مصدقة ايه اللي على وشك إنه يحصل دلوقتي.
طاهر أنكر كل حاجة. قال إنني واحدة غريبة بحاول أعمل لنفسي وضع وسلطة، وأكيد اتلخبطت في الورق والملفات، وإن سليم بيعمل غلطة كبيرة لما يثق في واحدة جت بيته كأنها سداد دين. ولأول مرة ما وّطيتش وشي ولا نّزلت عينيا. —خلاص، افتح دفاتر حساباتك وأثبت عكس كلامي. طاهر قال عليّ كدابة. سليم ضرب بكف إيده على التربيزة جامد: —الأسلوب ده ميتكررش معاها تاني! السكوت طَبّ على المكان في لحظتها. الليلة دي افتكرت إني كسبت، بس بعد كام ساعة اكتشفت إني أنا كمان وقعت في فخ. لقيت سليم قاعد لوحده في المطبخ. —فيه حاجة أنتِ مش فاهمة أبعادها —قاللي. —حاجة ايه؟ —جزء من اللخبطة والسرقة اللي لقيتيها في الحسابات دي.. أنا اللي عملته بنفسي. حسيت بضربة في بطني. —سيبتني أتهم طاهر وأنت عارف كده؟ —كنت عايز أشوف رد فعله هيعمل ايه. —أنت استغليتني! سليم مأنكرش. —كنت محتاج اعرف أنتِ قادرة تدافعي عن نفسك ولا لأ. —أنا مش عروسة ماريونيت بتحركها! —يبقى بطل تتصرفي كأنك مستنية إذن عشان تعيشي وتكوني موجودة! كرهته لما قال الكلمة دي، وكرهته أكتر لأن جزء مني كان فاهم بالظبط هو يقصد ايه. بعد سنين من العيشة والنجاة بسبب السكوت، اكتشفت حاجة خطيرة: أنا بعرف أفكر كويس تحت الضغط. وسليم شاف ده فيّ قبلي. خلال الأيام اللي بعد كده، راجعنا بقية الحسابات سوا. الخيانة الحقيقية بتاعة طاهر بدأت تبان شوية شوية. كان مجهز عقود مزورة، وبيفاوض من ورا ضهر سليم، وكمان متواصل مع منافسين كانوا عايزين ياخدوا منه شركاته والسوق بتاعه كله. الليلة اللي اتأكدت فيها من كل حاجة، سليم سألني: —لو تقدر تمشي بكرة ومعاك فلوس تكفيكِ تبدأي حياة جديدة.. هتسيبيني وتمشي؟

طولت أوي على ما رديت. —مش عارفة. —ده معناه لأ. —ده معناه إن لأول مرة في حياتي عايزة أنا اللي أختار. فيه حاجة اتغيرت بينّا. الموضوع مكنش حب ورومانسية في الأول.. كان اعتراف ببعض. هو بطل يعاملني كأني ضيفة تقيلة، وأنا بطلت أشوفه مجرد الراجل اللي داليا سلمتني ليه. في ليلة اتخانقنا بعد ما قعدنا نراجع الورق لساعات. —أنتِ بقيتي متعودة على كتر الأوامر —قالها عشان يستفزني. —وأنت متعود أوي إن الكل يسمع كلامك ويطيعك. —مضايقك الوضع؟ —جداً. —مش باين عليكِ. بوسته قبل ما ألحق أندم على اللي بعمله. مكنتش بوسة ناعمة؛ كانت غضب وخوف ومشاعر مكتومة بقالها أسابيع. لما بعدنا، سليم بصلي كأنه لسه مكتشف مشكلة جديدة في حياته. —ده كده هيعقد كل حاجة. —هي حياتك ناقصة تعقيد أصلاً! تاني يوم، الساعة تسعة الصبح، الفيلا اتهجم عليها. الإنذارات بدأت تضرب في كل مكان. الإزاز اتكسر في الدور الأول. رجالة الأمن كانوا بيجروا في الطرقات. سليم اقتحم أوضتي: —اقومي بسرعة! —طاهر؟ —باعنا. مسك إيدي وجرينا ناحية المخبأ المتأمن في الفيلا. بس النظام كان مقفول. طاهر كان معطل نص المداخل من جوه قبل ما يهرب. —مش هنعرف ندخل —سليم قال. أنا بصيت لشاشة التحكم وافتكرت حاجة. الأيام اللي فاتت كلها أنا كنت شغال على نظام الإدارة المركزي بتاع شركاته. أنا مش بعرف أكسر أو أضرب نار، ولا هعرف أقف قدام مسلخين، بس فاهمة السيستم اللي طاهر لعب فيه. —وديني أوضة السيرفرات. —يا ندى، لو نزلنا تحت ممكن نتحبس وم نطلعش. —عندك حل تاني؟ بص في عينيا ثانية واحدة. —لأ. نزلنا تحت. وخلال ما سليم كان بيمسك الوضع ويهدي الهرجلة في الكوريدور، أنا قدرت أرجع التحكم بتاع الطوارئ. في اللحظة دي ظهر إنذار تاني على الكومبيوتر. طاهر كان بيصفي الحسابات الرئيسية بتاعة الشركات. بيفضي كل حاجة. مرتبات، احتياطي، فلوس الشغل. ملايين بتختفي والفيلا بتضرب فوق. —سليم! —ايه؟ —هو مش عايز يقت/لك بس.. بصيت للشاشة. —هو عايز يسيبك عايش وبدون ولا مليم! —سيبك من الفلوس! افتحي المخبأ بسرعة! إيديا اتجمدت فوق الكيبورد. طول حياتي كان فيه حد تاني هو اللي بيحدد قيمتي

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *