اجازه خدامه

وصلت محطة القطر، وحجزت تذكر في الدرجة الأولى، وقعدت أشرب كوباية شاي بالنعناع وأنا بقرأ كتاب بقالي سنة مش عارفة أخلصه من كتر كركبة البيت وطلباتهم اللي مبتخلصش. لما وصلت بيتي في القاهرة، حسيت براحة مكنتش حساها من سنين. البيت كان هادي، نظيف، ومفيش حد بيؤمرني ولا حد بيبص لي على إني “تأدية غرض”.
مر أسبوع كامل، وأنا قافلة تليفوني عنهم تماماً. مكنتش بكلم غير أختي الكبيرة أطمنها عليا. في خلال الأسبوع ده، نزلت اشتريت فستان جديد، ورحت الكوافير، وعملت كل حاجة كنت مأجلاها عشان “أوفر الفلوس للعيال ولعب العيال”. اكتشفت إن أنا اللي كنت جاية على نفسي بزيادة، لدرجة إنهم افتكروا إن
ده حقي المكتسب وأني ماليش نفس أعيش زي البشر.
يوم الجمعة بالليل، الباب خبط. فتحت ولقيت أحمد واقف، لوحده.. وشه كان دبلان وتحت عينيه هالات سودة، والغرور اللي كان مالي وشه في الأوتيل اتمحى تماماً.
بص لي بكسرة وقال بصوت واطي: “ممكن أدخل يا أمي؟”
وسعت له السكة من غير ما أتكلم. دخل وقعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه.
سكتنا شوية، بعدين بدأ يتكلم وهو بيعيط: “أنا آسف.. أنا أسف جزمة وبوس جزمتك كمان يا أمي. أنا مكنتش متخيل إني واطي للدرجة دي إلا لما سبتينا ومشيتي. الأسبوع اللي فات ده كان جحيم.. السفرية باظت، ومي قعدت تلطم لأننا ملحيناش مكان نقعد فيه واضطرينا نرجع في نفس اليوم بالليل والعيال عيطوا طول الطريق.. بس مش ده اللي وجعني.. اللي وجعني بجد لما سيف حفيدك سألني وقال لي: (هو إحنا ليه عاملنا تيتة وحش؟ هي تيتة مش بتحبنا؟) ساعتها حسيت إني صغرت أوي قدام ابني.. حسيت إني علمت ابني قلة الأصل.”
قعدت على الكرسي اللي قدامه، وبصيت له بكل حزم: “عارف يا أحمد؟ الوجع مكنش من مراتك.. مي غريبة في الأول
والآخر، وتربيتها وطبعها هما اللي بيحركوها. الوجع الحقيقي كان منك إنت.. إنت اللي من دمي، إنت اللي أنا سهرت عليك الليالي وشقيت عشان تكبر وتكون راجل.. لما تسمح لمراتك تعمل لي جدول زي الشغالة، وتسمح لنفسك تقول لابنك إن تيتة مش جاية تتفسح دي جاية للخدمة.. إنت كده قتلتني وأنا عايشة.”
أحمد قام وجري على رجلي باساها وهو بيعيط بهستيريا: “حقك عليا.. والله العظيم مي هي اللي وزتني وقالت لي المصيف غالي والعيال هيقرفونا ومش هنعرف نتبسط، وإحنا لازم نستغل وجود مامتك.. أنا ضعفت ومشيت ورا كلامها، ومفكرتش في مشاعرك.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني.”