اقنعوني انها عمرها ما هتخلف مشيره محمد

​أغلقت الهاتف في وجهها دون أن أنتظر رداً، والتفتُّ إلى فريدة. مسحت دموعي بطرف كمي، وحاولت أن أستجمع شتات نفسي. نظرت إلى الطفلين، وهبطت على ركبتي لكي أكون في مستوى طولهما. مددت يدي ببطء نحو آدم، الولد الشقي الذي كان يحاول سرقة الفراولة. نظر إليّ ببراءة، ولمست أنامله الصغيرة. كانت دافئة، أحسست بكهرباء تسري في جسدي، هذا دمي، هذا ابني.

​”آدم.. يوسف..” نطقت اسميهما لأول مرة، وشعرت بغصة في حلقي.

​التفت يوسف لأمه وسألها بصوت طفولي نقي:

​”ماما.. هو ده بابا اللي في الصورة بجد؟ هو جه خلاص ومش هيمشي؟”

​كلمات الطفل كانت كالسياط على ظهري. فريدة نظرت إلى يوسف، ثم نظرت إليّ، ورأيت عينيها تلمعان بالدموع لأول مرة منذ بداية المواجهة. وضعت يدها على كتف يوسف وقالت له بنبرة حنونة ولكنها حازمة:

​”يا حبيبي، ده حازم.. سلم عليه.”

​لم تقل له “هذا أبوك الذي سينقذنا”، بل قالت “هذا حازم”. كانت تفصل بين كوني والدهما البيولوجي، وبين استحقاقي للقب “الأب”.

​وقفت مجدداً، وبصوت مليء بالإصرار قلت لفريدة:

​”فريدة، أنا مش هسيبكم. مش هتحرك من هنا من غيركم. الست سنين اللي ضاعوا هعوضكم عنهم، هقلب الدنيا على عاصم ونيرمين، وهجيب حقك وحق الولاد.”

​هزت فريدة رأسها برفض قاطع:

​”أنا مش عايزة حق من حد يا حازم. حقي ربنا جابهولي يوم ما شفت الولاد دول بيكبروا قدام عيني وهما صحة وعافية. أنا مش محتاجة فلوسك، ولا محتاجة عيلتك. ورشتي الصغيرة بتكفينا وزيادة، وعايشين مستورين وبكرامتنا.”

​”بس دول ولادي!” صرخت بضعف، “من حقهم يعيشوا في أحسن مستوى، من حقهم يشيلوا اسمي ويعرفوا مين أبوهم!”

​”وهما شايلين اسمك في شهادة الميلاد، مأنكرتش ده ولما سألوني قلتلهم الحقيقة، م كذبتش عليهم.” قالت فريدة وهي تجمع أشياءها وتضعها في حقيبتها، “لكن الأبوة مش مجرد اسم في ورقة، ولا فلوس في البنك. الأبوة موقف.. وأنت في أول موقف، سبتنا ومشيت.”

​أمسكت بذكراها، بيدك التي ترتعش:

​”أرجوكي يا فريدة.. اديني فرصة واحدة. فرصة واحدة بس أصلح اللي انكسر. أنا مستعد أتنازل عن كل أملاكي، مستعد أقطع علاقتي بعيلتي كلها، بس متحرمنيش منهم.. ومتحرمنيش منك.”

​نظرت إلى يدي الممسكة بفريدة، ثم نظرت في عيني مباشرة. كانت نظرة طويلة، بدت وكأنها تقرأ ما في داخلي، تتأكد إن كنت ما زلت ذلك الرجل الجبان، أم أن الصدمة قد صنعت مني رجلاً جديداً. سحبت يدها بهدوء وقالت:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *