فنجان شاي مشيره محمد

​ولكن الصدمة لم تكن في وجودي أنا وأمي الراحلة في الصورة. الصدمة كانت في الشخص الثالث الذي كان يقف معنا في الممر، ويسلمني مغلفاً ورقياً كبيراً.

كان حازم.. شقيق شريف الأكبر.

​”إيه ده؟”

خرجت الكلمة من بين شفتي شريف كفحيح أفعى. التفت إلى أمه وعيناه تشتعلان بغضب مكبوت:

“أنتِ كنتِ بتراقبي مريم من سبع سنين؟ ومن ورايا؟ وحازم.. حازم كان بيعمل إيه معاها في المستشفى؟”

​ضحكت نادية هانم ضحكة قصيرة مكتومة، ووضعت فنجانها على الطبق الصيني برنين حاد:

“مراقبة؟ لا يا حبيبي، دي مش مراقبة. ده كان تأمين.. تأمين لفلوس العيلة وأملاكها اللي أنت كنت مستعد ترميها تحت رجليها من غير ما تعرف أصلها وإيه اللي يربطها بينا.”

​التفتُّ إليهما، وشعرت بأن الأرض تدور بي. صرخت بصوت مخنوق:

“يربطني بيكم إيه؟ أنا ما شفتش حازم ده في حياتي غير من يومين لما جيت هنا! والصورة دي.. أنا مش فاكرة إني شفت الشخص ده قبل كده!”

​في تلك اللحظة، انفتح باب المطبخ ودخل حازم. كان يرتدي حُلة أنيقة كعادته، وعلى وجهه نفس الابتسامة المستفزة التي رأيتها على العشاء بالأمس. وضع يديه في جيبيه ونظر إلى شريف، ثم إليّ، وأخيراً إلى الملف المفتوح.

​”أوبس..” قال حازم بنبرة ساخرة:

“الظاهر إن وقت الحكايات جه أسرع مما رتبنا يا أمي.”

​شريف اندفع نحو أخيه وأمسكه من ياقة قميصه بقوة جعلت أزرار القميص تكاد تطير:

“انطق يا حازم! الحكاية دي إيه؟ ومريم مالها ومال العيلة دي؟ وليه أمي كانت عايزة تسقيني أو تسقيها حاجة في الشاي؟”

​نادية هانم وقفت بغضب وصاحت بصوت حازم لأول مرة:

“سيب أخوك يا شريف! واقعد عشان تفهم.. ومحدش كان هيسمم حد. الشاي ده فيه منوم خفيف، مهدئ.. عشان لما مريم تدوخ شوية، نقدر ناخد منها اللي جينا علشانه من غير شوشرة ولا فضايح.”

​”تاخدوا مني إيه؟” سألتُ وأنا أتراجع إلى الخلف، وظهري يستند إلى الحائط البارد للمطبخ. “أنا معنديش حاجة تاخدوها! أنا بنت يتيمة، عشت طول عمري بكافح عشان أصرف على نفسي، ومعنديش في الدنيا دي غير شريف!”

​تحرر حازم من قبضة شريف بهدوء، وقام بتعديل ياقته وهو ينظر إليّ بنظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والانتصار:

“مسكينة يا مريم.. فعلاً معندكيش فكرة. أمك الله يرحمها، الست البسيطة اللي كانت ممرضة، ما قالتلكيش وهي بتموت هي جابت فلوس علاجها الأخير منين؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *