فنجان شاي مشيره محمد

​سحب شريف الملف بقوة وضعه تحت ذراعه. ونظر إليّ قائلاً: “يلا يا مريم.”

​طريق الخروج

​خرجنا من المطبخ بخطوات سريعة. كان صمت الفيلا المرعب لا يزال يحيط بنا، لكنه لم يعد يخيفني. لقد انكسر القناع، وظهرت الحقيقة العارية خلف كل هذا الرخام واللؤلؤ.

​ركبنا السيارة. شريف دار المحرك وضغط على دواسة البنزين بقوة، لتنطلق السيارة وتترك خلفها بوابة الفيلا الإلكترونية التي انفتحت ببطء كأنها فك وحش يطلق سراح فريسته.

​طوال الطريق الصحراوي المؤدي إلى القاهرة، لم ينطق أي منا بكلمة. كانت يده اليمنى تمسك بيدي بيسر، بينما يده اليسرى تتحكم في عجلة القيادة. كنت أنظر من النافذة إلى الصحراء الممتدة، وأفكر في أمي.. في تضحيتها، وفي ذلك الطبيب الذي أراد أن يعوضني عن سنوات الحرمان بطريقته الخاصة.

​عندما وصلنا إلى مشارف القاهرة، وتحديداً عند بوابات التحصيل، هدأ شريف من سرعة السيارة، ثم التفت إليّ. كانت عيناه حمراوين من كبت الدموع والتوتر.

​”مريم..” قال بصوت متحشرج: “أنا آسف. آسف إني عرضتك للخطر ده. وآسف إن عيلتي بالبشاعة دي.”

​نظرت إليه، وامتدت يدي لتمسح حبة عرق سقطت على جبينه. ابتسمت له ابتسامة حقيقية نابعة من أعماق قلبي وقلت:

“أنت ملقاش ذنب يا شريف. أنت اللي حمتني.. رسالتك هي اللي نقدتني في آخر لحظة. لو كنت مكانك وعرفت إن عيلتك بتعمل كده، كنت هعمل أكتر من كده.”

​صمتُّ قليلاً ثم أضفت وأنا أنظر إلى الملف الكرتوني في حجري:

“تفتكر هنعمل إيه بالفلوس دي كلها؟”

​شريف ابتسم ابتسامة خفيفة، ونظر إلى الطريق أمامه وقال:

“أول حاجة هنعملها.. هنروح للمحامي اللي معاه الوصية الأصلية. هناخد حقك كامل. ومش هناخد منه مليم واحد لنفسنا.. هنبني بيه مستشفى غسيل كلوي مجاني في طنطا.. باسم والدتك. ده المكان اللي الحكاية بدأت منه.. وده المكان اللي لازم الفلوس دي تروح له وترجع فيه الخير للناس.”

​شعرت براحة غريبة تسري في جسدي. لم أكن بحاجة لتمانين مليون جنيه لأكون سعيدة. كنت بحاجة فقط لشخص يحميني ويثق بي كما فعل شريف.

​نظرت إلى الخلف، إلى الطريق الصحراوي الممتد الذي تركنا في نهايته القصر والغموض والخلطات العائلية المسمومة، والمليئة بأسرار مدفونة لم تعد تملك القدرة على إيذائنا بعد الآن.

تمت.. مشيره محمد

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *