الست امينه حصري لصفحه روايات رولا

​في اليوم اللي حصلت فيه المواجهة، المخبز كان زحمة جداً بسبب المولد اللي كان جنب الجامع. أمينة كانت بتتحرك ومابتقعدش. تنضف الترابيزات، تلم الكبايات، لقطت صاج سينامون كان هيقع على الأرض، وحتى ساعدت ست كبيرة في إنها تطلب تكسي.
​ده خلي فرج يتردد للمرة الأخيرة. بس الساعة تسعة وتلت، لمح الشنطة جنبه عند باب الخروج بتاع العمال. مليانة على أخرها. تقيلة. والسوستتين مقفولين للاخر.
​فرج قرب منها: “يا عمة أمينة.. محتاجك تفتحي الشنطة دي.”
رفعت عينها وبصت له. مكنش باين عليها الخوف، كان باين عليها التعب والشقاء.
​”انت فاكر إني باخد حاجات من المخبز بتاعك يا معلم فرج؟”
“أنا مش عارف أصدق إيه تاني.”
“كان ممكن تسألني بيني وبينك.”
​المكان بقى ساكت سكوت يوجع.
“افتحي الشنطة،” كرر كلامه ووشه مشدود.
​واحد من الخبازين بص في الأرض. الكاشيرة ضمت شفايفها. ورامي، الشاب اللي ماسك المخزن، ربع إيده وقعد يتابع من غير ما ينطق.
​أمينة مسكت إيد الشنطة بتمسك. “ماشي، بس أول ما تشوف اللي جواها، فكر كويس قبل ما تحرج حد قدام الناس تاني.”
​وطت بالراحة وبصعوبة. صوت السوستة وهي بتفتح كان طالع بطيء وطويل كأنه مش هيخلص. فرج كان بيمهد نفسه عشان يشوف شكاير دقيق، أزايز زيت، أو أكياس سكر.
​بس لما أمينة رفعت غطا الشنطة، محدش في الأوضة تنفس.
​جوة الشنطة كان فيه حفاضات أطفال مقاس أربعة، هدوم بنات صغيرة، علب لبن أطفال، رز وفول، فوط جديدة، بطانية وردي صغيرة، أدوية أطفال، ودوسيه أصفر فيه ورق رسمي.
​أمينة مدت إيدها وطلعت صورة. كانت صورة لبنت شابة بوش متورم وشفايف متفتحة، شايلة طفلة عندها سنتين وعينيها ومقرمشة من البكا.
​”دي بنتي،” أمينة قالت، “ودي حفيدتي.”
​فرج حس ببطنه بتتعصر. الشنطة مكنتش بتداري البضاعة الناقصة من المخبز. كانت شايلة مأساة وحقيقة يوجعوا القلب.
​وفي الوقت اللي الكل كان واقف فيه مسطول ومكسوف، كان فيه حقيقة تانية لسة مستخبية: الشخص المسؤول بجد عن البضاعة اللي بتتسرق، كان لسة واقف جوة المخبز.
​الجزء الثاني
​”اسم بنتي مريم،” أمينة قالت وهي بترجع الصورة جوة الدوسيه بالراحة. “وحفيدتي اسمها فريدة. من ست شهور، جولي الشقة الساعة ثلاثة الفجر حافيين، مع معاهمش جنيه، ولا مكان يروحوه.”
​محدش اتتحرك في المكان. أمينة مدمعتش، وده خلى كل كلمة تطلع منها توجع أكتر.
​مريم كانت متجوزة واحد اسمو جلال. في الأول كان بيغير بغباوة، بعدها بقى يسيطر ويتأمر، ولحد ما بقى إنسانيته راحت وبقى يمد إيده. بدأت بزعيق، وبعدها بضرب، وبعدها بعلامات وزرقان كانت بتداريه بالماكياج قبل ما تنزل شغلها. وفي الليلة اللي مسك فيها كرسي حدفه في الحيطة وطارت خشبته جنب البت الصغيرة، مريم هربت بجلدها.
​”من ساعتها وإحنا عايشين إحنا الثلاثة في أوضة وصالة في عزبة النخل،” أمينة كملت كلامها. “بنتي لقت شغل في مكتبة، بس اللي بتجيبه يادوب بيكفي بالعافية. أنا عمري ما حكيت لحد لأن ساعات الخجل بيبقى أتقل من الفقر.”
​فتحت الدوسيه الأصفر. كان فيه إيصالات من مركز حماية المرأة، وأوراق مساعدات من الشئون الاجتماعية، وكوبونات تموين، وطلب محضر عدم تعرض.
​”فيه متطوعة من الجمعية بتعدي عليا هنا بالليل لأن المخبز في طريقها. بتسيب لي المساعدات دي في الشنطة وبجرها معايا البيت. ولا حاجة من دول من المخبز بتاعك يا معلم فرج.”
​فرج بص للحفاضات، للإيصالات، وللبطانية الوردي الصغنونة. حس بقرف وبشاعة من نفسه.
​”يا عمة أمينة.. أنا—”
​”ماتكملش الجملة دي دلوقت،” قطعت كلامه. “انت هتمني بالسرقة قدام زمايلي. هددتني بتقطعي عيشي من غير ما تديني دقيقة واحدة أشرح. أنا عندي 64 سنة، وطول عمري بشقى بعرق جبيني. عمري ما أخدت حاجة مش حقي.”
​إلهام الكاشيرة أخدت نفس طويـل وقالت: “يا معلم فرج.. فيه حاجة لازم تاخد بالك منها.”
الكل بص لها.
​”من كام أسبوع، سمعت رامي بيتخانق مع سواق العربية بتاعة المورد الجديد. كانوا بيقولوا إن الفاتورة مكتوب فيها بضاعة أكتر من اللي بننزلها من العربية.”
​رامي، بتاع المخزن، اتعدل فجأة وتوتر: “دي حاجة ملهاش دعوة بالموضوع خالص!”
​رد فعله كان سريع وزايد عن حزمه. فرج حس بغصة باردة في بطنه. المورد الجديد بدأ يتعامل معاهم من شهرين بالظبط.. نفس الوقت اللي البضاعة بدأت تنقص فيه!
​”رامي،” فرج قال بصوت جاد، “من بكرة الصبح بدري، هنراجع فاتورة فاتورة.”
​”انت بتتهمي من غير دليل!” رامي قال وهو بيحاول يبان مظلوم.
​أمينة قفلت سوستة الشنطة بهدوء وقالت: “غريبة.. مكنش عندك مشكلة تتهموني من غير دليل، وقدم الناس كلها كمان.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *