لما الفول بقا بطل ليله رأس السنه

​أول ما سلّم جوزها العيدية وربح السنة كله لأمه، وسابها هي شايلة الأقساط، ومصاريف المدرسة، وعشاء رأس السنة لوحدها.. ولما جيت تعاتبه، طالع فيها وزعق: «انتِ بتمبضي وبتقبضي أكتر مني، اتصرفي انتِ يا شاطرة!».
​في ليلة رأس السنة، حطّت قدامهم حلة فول.. وطلعت تليفونها وورّتهم تحويل بنكي خلّى البيت كله يتقطع منه النفس.
​«لو كنت عايز عشاء رأس السنة بط وديك رومي ومحاشي وشوربة سي فود، كنت فكّرت في ده قبل ما ترمي المكافأة كلها تحت جزمة أمك»، قالتها مريم بنبرة هادية جداً، من غير ما ترفع صوتها حتى نص درجة.
​محمود وقف قدام سفيرة السفرة وهو حاسس إن في جزمة اتضربت في وشه في طبق عميق.
​على المفرش المشجر، كانت المحتويات كالتالي: حلة فول مدمس ببتغلي، طاسة طعمية، طبق بتنجان مخلل بالثوم، ربطة بصل أخضر، وشوية عيش بلدي طالعين من الفرن بسخونتهم، وجرّة عصير ليمون بالنعناع. لا في كابوريا، ولا حمام محشي، ولا بيبسي، ولا حتى حتة تورتاية من بتاعة المحلات النظيفة اللي حماتها بقالها أسبوعين بتتفشخر بيها قدام جاراتها في العمارة في التجمع الخامس.
​مريم كانت عندها تمانية وتلاتين سنة، شغالـة مديرة حسابات في شركة مقاولات كبيرة في المعادي، وبقالها 11 سنة متجوزة محمود، اللي شغال فني صيانة في مصنع في أكتوبر. وعندهم بنوتة زي القمر عندها عشر سنين اسمها فريدة، من البنات الساكتين اللي بيركزوا في كل حاجة، وبيفهموا نبرة البيت قبل ما يدخلوا الأوضة.
​من برة، كانوا يبانوا عيلة مستورة ومية فل وعشرة.
​لكن من جوة؟ مريم هي اللي بتدفع قسط الشقة، ومصاريف المدرسة اللغات، والدروس، ودكاترة الأطفال، والمطبخ، والكهرباء، والغاز، وحتى الهدايا اللي محمود بياخدها وهو رايح أعياد ميلاد ولاد أخته. وهو؟ دايماً جيبه مخروم وجاهز بالرد:
​«أمي ملهاش غيري.»
«أمي شافت الويل بعد أبوي.»
«الأم خط أحمر يا مريم!»
​الحاجة فادية، حماتها، كانت عزلت وعاشت معاهم من كام سنة بحجة إنها “هتخلي بالها من فريدة”. بس عمرها ما شالت قشرة بصلة. كانت طول اليوم تفتش في شنط السوبرماركت، وتنتقد لبس مريم، وتسأل كل أول شهر: “قبضتي كام يا مريم؟”، كأن مرتب مكنة A.T.M خصيصاً للعيلة.
​في عصر اليوم ده، 31 ديسمبر، مريم اكتشفت التحويل.
​محمود بعت مكافأة سنوية 30 ألف جنيه كاملة على حساب الحاجة فادية، وكتب في خانة Messaage: «عشان تفضلي تاج راسي وما ينقصكيش حاجة يا أمي.»
​بس مريم كان ناقصها كتير.
​كان ناقصها راحة بال.
كان ناقصها تقدير.
كان ناقصها بيت بنتها ما توطيش فيه راسها كل ما حد يزوق بصوته.
​كان ممكن تشتري أحلى عشاء؟ طبعاً. كارت البنك بتاعها شغال، ومرتبها يكفي ويقضّي ويفضل منه كمان. بس الليلة دي قررت إن فلوسها مش هترقع قلة أصله تاني.
​نزلت جابت فول وطعمية وبتنجان وعيش بلدي.
كانت عايزة تشوف هيحملوها ذنب “الفقر” اللي هما عملوه بأيديهم إزاي.
​«إيه الهبل ده؟ انتِ بتستعبطي؟»، محمود سأل وهو بيشاور على حلة الفول.
​«لا»، مريم ردت ببرود. «ده اللي بيكفي لما يبقى في البيت بني آدم واحد بس هو اللي بيصرف.»
​الحاجة فادية خبطت بإيدها على السفرة خبطة هزت الأطباق:
«فلوس ابني مالكيش دعوة بيها! الست الأصيلة ما بتقعدش تعد للراجل القرش بالقرش!»
​مريم فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل، ولفّت الشاشة ورمتها قدام محمود على السفرة:
«طب كتر خيرك، اشرح لي بقى ليه كرمك مع أمك دايماً بيبقى على حساب لقمة فريدة؟»
​وش محمود جاب ألوان.
​على الشاشة كان في كشف حساب يوجع البطن: 22 قسط شقة مدفوعين من حساب مريم، مصاريف المدرسة، كورس الإنقليزي، كشوفات الدكاترة، الأدوية، السوبرماركت، الفواتير. في ظرف سنتين كاملين، محمود كان مساهم في البيت بـ 2000 جنيه على بعض!
​«انتِ بتكسبي أضعافي!»، محمود قالها وهو بيجز على سنانه. «طبيعي تشيلي الأكتر!»
​«أكسب أكتر ده ما يخلينيش الخزنة الخاصة بحضرتك!»
​فريدة طلعت من الطابق الجواني وهي حاضنة الدبدوب بتاعها. لما سمعت جدتها بتقول على أمها “قليلة أصل وندلة”، وِطت راسها في الأرض.
​محمود شافها، بس بدل ما يهدا، صرّخ زيادة:
«أنا اتخنقت من القرف ده! انتِ بتقلّي بي قدام أمي؟!»
​وبحركة غشيمة، زق السفرة بكل قهر.
​الحلة وقعت، الفول سح على السيراميك، وطبق البتنجان اتكسر جنب رجلين فريدة، اللي صرخت وجريت تستخبى في ظهر أمها.
​«شيلي القرف ده واكنسيه!»، محمود قالها وهو بيلهث من العصبية. «وبعدين انزلي اتصرفي، هاتي فلوس من أي زفت واشتري عشاء عدل نأكله!»
​مريم بصت للخراب اللي على الأرض.
لسنين طويلة كانت بتعمل كده بالظبط: تلم المكسور وتصلحه عشان محدش يشوف مين اللي كسره.
​دخلت أوضة النوم، طلعت شنطة سفر صغيرة، ورجعت وهي ماسكة فولدر أزرق كانت شايلاه بقالها أسابيع.
​جوه الفولدر ده كانت صحيفة دعوى خلع وطلاق.
​«امضِ هنا»، قالتها وهي بتبص له في عينه. «أنا وفريدة ماشيين.»
​الحاجة فادية شدت الفولدر من إيدها، وقطعت الورق حتت صغيرة ورمتها في وشها، وبعدين مسكت فريدة من إيدها بجامودية:
«انتِ تغوري في ستين داهية وقت ما تحبي يا مريم.. لكن البت دي مش هتعتب برة باب البيت ده، والبت هتعيش مع أباها وجدتها!»
​فريدة جسمها كله بدأ يترعش ومسكت في بلوزة أمها جامد.
​ومريم أدركت إن الليلة دي.. كانت مجرد البداية.:
​الجزء الثاني: لما الحقيقة بتواجه الأرقام
​مريم ما صرختش. ما شديتش فريدة بعنف، وما إدتش للحاجة فادية اللقطة والشو اللي كانت مستنياه.
​نزلت على ركبتها قدام بنتها ومعدت إيدها بكل هدوء:
«تعالي معايا يا حبيبتي.»
​فريدة بصت لجدتها، وبعدين لأبوها، وفي اللحظة دي جرت وراحت لحضن مريم:
«أنا عايزة أمشي مع بابا يا مامي.»
​الحاجة فادية اضطرت تسيب دراعها بغل.
​مريم جمعت كل حاجة في ثواني: شهادات الميلاد، شهادة تطعيمات فريدة، أوراق المدرسة، طقمين غيار، والورق المتنطر اللي اتقطع. محمود مشي وراها لحد باب الشقة وهو بيهددها إنه هيروح يبلغ عنها بتهمة خطف طفلة.
​في الليلة دي، ناموا في بيت أهل مريم، في حارة هادية ورائقة في المعادي. فريدة نامت وهي كبشة في صدر أمها ومتبتة فيها، بس قبل ما تغمض عينها سألت سؤال كسر قلب مريم نصين:
«هو بابي هيفضل زعلان ومقريف بكرة كمان يا مامي؟»
​السؤال ده طيّر آخر نقطة تأنيب ضمير أو تردد كانت مريم حاسة بيهم.
​تاني يوم، صاحبتها دبرت لها مع أستاذة لمياء عبد العظيم، محامية أحوال شخصية وعائلية من اللي إيدهم تقيلة ومابيرحملوش في حق العيال.
​لمياء طلبت كل حاجة: كشوفات حسابات، فواتير، رسائل، تسجيلات صوتية، إيصالات مدرسة، وكل حاجة تبين مين اللي بيصرف على فريدة وبيشيلها.
​مريم نظمت الفايل كأنها بتحضر ميزانية شركة عشان جرد سنوي.
​وهنا ظهرت أول خبطة بجد.
​في ظرف أربع سنين، محمود كان محول أكتر من 200 ألف جنيه على الحساب الشخصي للحاجة فادية! في الوقت اللي مريم كانت بتدفع فيه قسط الشقة ومصاريف مدرسة فريدة والدروس، هو كان بيمول أعياد ميلاد، وعزايم، وسلفيات لإخواته، وتوضيبات في شقة العيلة في الزقازيق اللي هي أصلاً مش ملكه، ومشتريات عمره ما شاركها فيها!
​لما مريم بعتت له تسأله عن الفلوس دي، محمود رد ببرود:
«دي كانت تحويشات العيلة، بلاش دراما وكلام فارغ!»
​بس الحاجة فادية، زي العادة، اتصلت من رقم غريب وهي بتغلي:
«الفلوس دي طارت خلاص ومافيش منها مليم!»، صرخت في التليفون. «ابني واداهاني عشان أصرفها زي ما أنا عايزة!»
​مريم سجلت المكالمة من غير ما تنطق.
​وفوق كل ده، لقيت مسجات بين محمود وأمه بيوعدها فيها إن أول ما يقفلوا قسط الشقة، هينقل الشقة باسم أمه «عشان مريم ما تتنفخش وتفتكر إنها صاحبة الملك والبيت».
​ده ما كانش مجرد سرقة فلوس.. هما كانوا بيوزعوا ورثها وشقاها وهي لسة عايشة!
​بعد يومين، محمود جه لبيت حماه في المعادي ومعه علبة مشكل من عند “عبد الرحيم قويدر”، وعلبة شوكولاتة، واعتذار مسبوق التحضير:
«أنا اتعصبت وأعصابي أفلت»، قالها بنبرة هادية وبراءة مزيفة. «ارجعي معايا الشقة ومن أول الشهر ده هسلمك مرتب كامل.»
​فريدة طلعت من ورا أمها وبصت له:
«اوعدني إنك مش هتزعق لمامي تاني.»
​محمود حتى ماسألهاش إن كانت خايفة ولا لأ.. بص لمريم بغل، كأنها هي اللي محفظة البت الكلام ده عشان تطلع شكله وحش.
​ساعتها مريم اتأكدت إن محمود ما جاش عشان بيحبهم.. جه عشان خايف على منظره قدام الناس وإنه يطلع هو “الشرير”.
​سمحت له يشوف فريدة كام دقيقة، بس فهمته إن كل حاجة بعد كده هتعدي على أستاذة لمياء بالورق والقانون. محمود مشي وهو بينادي عليها بـ “النية القاسية والندلة”.
​تاني يوم الصبح، الحاجة فادية ظهرت قدام العمارة في المعادي ومعاها أختين ليها، وبدأت تصوت وتعمل هيصة وتزعق إن مريم سرقت البنت وخطفتها! السكان والشباب نزلوا يتفرجوا. والحاجة فادية بقت تحلف إن مريم ماشية على حل شعرها ولها راجل تاني، وإن الشقة ملك محمود لأنه هو اللي دفع المقدم!
​دورية شرطة نزلت للمكان بعد البلاغ.
«حضرتك معاكي حكم قضائي بالحضانة أو قرار رؤية؟»، الظابط سأل أمه.
​الحاجة فادية برقت وسكتت.
​لمياء دخلت في اللحظة المناسبة، وقدمت طلب عاجل للنيابة، مع التسجيلات وكشوفات الحسابات العارضة، وتقريب الشرطة. وبعد كام يوم جيلهم معاد جلسة في محكمة الأسرة.
​قبل ما يدخلوا الجلسة، محامي محمود بص لمريم بابتسامة ثقة وشماتة:
«أحنا نازلين عشان نكسب الحضانة والشقة بالكامل»، قالها ببرود.
​أستاذة لمياء فتحت الدوسيه التقيل في إيدها وهمست بثقة:
«خليهم يحلموا.. النهاردة هيعرفوا كدبتهم بتتكلف كام لما بتقف قدام الأرقام والورق.»
​الحاجة فادية دخلت قاعة المحكمة وهي متأكدة إنها هترجع بالشقة والبنت في إيدها.
ما كانتش تعرف إنها على وشك إنها تعترف بكل حاجة بنفسها!
​(!
​الجزء الثالث والأخير: لما القاضي ضرب بالشاكوش
​قاعة محكمة الأسرة كانت زحمة، وصوت الورق والمحامين مالي المكان.
​محامي محمود وقف بكل ثقة، بدأ يرغي ويتكلم بنبرة مسرحية:
«يا سيادة القاضي، موكلي راجل مكافح بيشتغل بعرق جبينه، ومراته استغلت إن دخلها أعلى شوية عشان تذله، وخدت البنت وهربت، وحرمت أم زوجة راجل مسنة من حفيدتها، غير إنها استولت على الشقة اللي موكلي دفع مقدمها من شقاه!»
​القاضي بص للأوراق بهدوء، وبعدين بص لأستاذة لمياء:
«رد الدفاع؟»
​أستاذة لمياء قامت بكل ثقة، وحطت الفولدر التقيل قدام المنصة:
«سيادة القاضي، الأرقام ما بتكذبش ولا بتعرف تمثل. معانا هنا كشف حساب بنكي معتمد على مدار 4 سنين كاملين. الموكلة الأستاذة مريم هي اللي دفعت قسط الشقة بالكامل من حسابها، وهي اللي بتتحمل مصاريف مدرسة البنت، والدروس، والعلاج، وحتى فواتير المطبخ والكهرباء.»
​المحامي بتاعهم بدأ يلقلق: «بس موكلي كان بيسهم في المصاريف!»
​لمياء ابتسمت ابتسامة خفيفة وطلبت الإذن بتشغيل تسجيل صوتي، وعرضت كشف التحويلات:
«موكلك يا أستاذ على مدار سنتين سهم بـ 2000 جنيه بس في بيته! في حين إنه حول أكتر من 200 ألف جنيه لحساب والدته، الحاجة فادية!»
​القاضي رفع نظارته وبص للحاجة فادية:
«يا حاجّة.. الفولس دي كانت بتاعت إيه بالظبط؟»
​الحاجة فادية تتلجلجت وقامت من مكانها منفعلة، ونسيت نفسها تماماً من الغيظ:
«فلوس ابني يا سيادة القاضي! ده شقاه وعرقه وده حسابه يعمله اللي هو عايزه! إحنا كنا بنحوشهم عشان لما نقفل الشقة نكتبها باسمي أنا، عشان هي ما تطلعش بالبيت!»
​القاعة كلها سكتت. المحامي بتاعهم حط إيده على وشه ووطى راسه.. الحاجة فادية لسة معترفة بعظمة لسانها إنهم بياخدوا شقى مريم عشان يسرقوا الشقة منها ويمشوها!
​القاضي ضرب بالشاكوش خبطة هزت المنصة:
«سكون في القاعة!»
​القاضي بص لمحمود وأمه بنظرة حسم، وبدأ ينطق بالأحكام اللي نزلت عليهم زي الصاعقة:
​تمكين مريم تمكيناً كاملاً من شقة الزوجية بصفتها الحاضنة، وطرد محمود وأمه منها فوراً.
​إلزام محمود بنفقة بنته فريدة، ونفقة عدة ومتعة لمريم، مع خصمها مباشرة من مرتبه في الشركة.
​حق الحضانة الكامل لمريم مع تحديد ساعات رؤية أسبوعية محددة وبضوابط صارمة لمحمود.
​فتح تحقيقات وتتبع مالي في التحويلات اللي تمت للحاجة فادية لإلزامهم برد المبالغ التي أُخذت بنية التدليس والاستيلاء على حقوق الزوجة.
​خارج قاعة المحكمة، محمود كان واقف وشه أصفر زي الليمونة، والحاجة فادية عمالة تلطم على وشها وتصرخ: «خرّبت بيت ابني يا مفترية! حسبي الله ونعم الوكيل!»
​مريم قربت منهم بكل ثقة، بصت لمحمود في عينه وقالت له بنبرة هادية جداً:
«أنا ما خربتش بيتك يا محمود.. أنت وأمك اللي بعتوا بيتكوا عشان شوية فلوس وكبرياء فارغ. للأسف، طمعكم هو اللي شردكم.»
​شالت فريدة في حضنها، وحضنتها جامد. فريدة بصت لأمها وابتسمت ابتسامة هادية لأول مرة من شهور، وقالت لها:
«مامي.. إحنا رايحين بيتنا؟»
​مريم باست راسها وقالت لها:
«أيوا يا قلب مامي.. رايحين بيتنا، وهنعيش في أمان وراحة بال.. من غير ما حد يعكر صفو حياتنا تاني.»
​ومشيت مريم وهي مرفوعة الراس، مع بنتها وأستاذة لمياء، وسبت محمود وأمه للندم والديون والأيام اللي مش هترحمهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *