شهد لمشيره محمد

حنين مكنتش خايفة من فريدة، البنت الصغيرة شافت طارق بيه كذا مرة قبل كده وكان دايماً يطبطب عليها ويديها شوكولاتة في السر لما فريدة متبقاش موجودة. البنت شاورت بإيدها الصغيرة على شهد اللي في المية، وبصت في عين طارق وقالت ببراءة طفولية هزت المكان:
”عمو طارق.. الحق ماما.. هي بتغرق!”
السبع كلمات دول (عمو طارق.. الحق ماما.. هي بتغرق!) نزلوا على الجنينة وعلى طارق زي الصاعقة. الكلمات مكنتش مجرد استنجاد، دي كانت سهم كشف الحقيقة كلها.
الانهيار والحقيقة المرة
طارق بيه لما سمع الجملة دي، جسمه كله اتنفض. بص للبنت الصغيرة، وبص لشهد اللي بتعيط في المية، وفجأة.. ملامح الراجل القوي الجاد اختفت. طارق حط إيده على وشه، ونزل على ركبه على الرخام قدام ضيوفه كلهم، وبدأ يعيط بالدموع.. عياط قهر وندم وصدمة، صدمة هزت كل اللي واقفين. مكنش حد فاهم هو بيعيط ليه كده عشان شغالة؟
طارق من غير ما يفكر في بدلته الغالية ولا في ضيوفه، حدف جاكيت البدلة ونزل في حمام السباحة بنفسه، مسك شهد وطلعها براحة لحد ما قعدت على الرخام وهي بتترعش.
فريدة جريت عليه وقالت بغضب وزعل مصطنع: “طارق! انت بتعمل إيه؟ انت بتبهدل نفسك عشان دي؟ دي بوظت الحفلة وهي وبنتها لازم يتردوا برة حالا!”
طارق وقف، وهو مبلول ومية حمام السباحة بتنزل منه، بص لفريدة بنظرة خلت ركبها تخبط في بعضها. مسح دموعه وقال بصوت مرعش من كتر الغضب المكتوم: “انتي اللي هتخرجي برة يا فريدة.. وبرة حياتي كلها!”
فريدة برقت وعينيها وسعت: “انت بتقول إيه يا طارق؟ انت بتطردني أنا عشان حتة شغالة وبنتها؟ انت اتجننت؟”
طارق زعق بأعلى صوته لدرجة إن صوته سمع في التجمع كله: “الشغالة دي تبقى أختي الكبيرة من أبويا!!”
الصدمة ألجمت لسان فريدة، والضيوف كلهم بدأوا يهمسوا بذهول.
الحكاية القديمة
طارق أخد حنين في حضنه وهو مبلول، وبص لفريدة وقال والدموع في عينيه: “أبويا الله يرحمه زمان، قبل ما يبقى معاه فلوس وقبل ما يتجوز أمي، كان متجوز ست بسيطة من البلد وخلف منها شهد. لما أبويا اتغنى وأمي دخلت حياته، شهد وأمها اتظلموا واتنسوا في البلد. أنا فضلت سنين أدور على أختي بعد ما كبرت وعرفت الحقيقة، ولما لقيتها من سنتين، كانت رافضة تاخد مني قرش واحد وتقولي (أنا مباخدش فلوس مش تعبانا فيها يا طارق، أنا عاوزة أربّي بنتي بعرقي). صممت تشتغل عندي كشغالة بمرتب عشان تعيش بكرامتها ومتتحوجش لحد، وأنا وافقت غصب عني احترماً لكرامتها ولأنها أختي الشريفة اللي من دمي!”