السر القديم لمشيره محمد

 

​البداية الصادمة

​”اختفي من قدامنا قبل ما نرجع.. أنا خلاص زهقت من الكراكيب القديمة، وتعبت وشقيت كتير في حياتي وعندي حق أعيش عيشة جديدة.”

​الرسالة دي وصلت الساعة 2:13 بعد نص الليل.. شاشة الموبايل نورت على الكومودينو جنب شاهيناز، وكأنها قنبلة اتفجرت في صدرها.

وملحقش يمر دقيقة، إلا ووصلت رسالة تانية وراها على طول:

“ومش عايز شوشرة ولا فضايح.. والولاد مسافرين معايا.”

​شاهيناز اتعدلت في السرير وهي بتترعش، وموبايلها بيتهز في إيدها. برا الفيلا، في الكومباوند الهادي في التجمع الخامس، مكنش فيه أي صوت غير حنين بسيط لعربية معدية من بعيد وصوت رشاشات المايه بتبخ في الجنينة. كل حاجة برا كانت شكلها طبيعي وفي مكانها.. بس الكلمتين دول هدوا كل اللي باقي من جوازة كانت أصلاً بتشرخ وبتنهار بقالها سنين.

​شريف زهران، جوزها وأبو ولادها بقاله 19 سنة، كان عنده موهبة غريبة.. كان بيعرف يغلف قسوته وبروده وكأنه بيكتب إيميل رسمي في شركة. جمل قصيرة.. مفيش تفسير.. ومفيش مجال للنقاش.

​قبلها بثلاث أسابيع، وبكل بجاحة، وقف قدامها وقالها إنه هيتجوز فريدة، البنت اللي عندها 27 سنة وشغالة معاه في وكالة الإعلانات بتاعته، واللي على حد كلامه: “رجعتله شبابه وروحه تاني”.

​قالها الكلام ده وهو واقف في المطبخ، وهي واقفة بتعمل قهوة وبتقطع فاكهة لولادهم المراهقين، مروان وجانا. شريف كان ساند على رخامة المطبخ بقميصه الأبيض المكوي، وموبايله مقلوب على ضهره.

​وقال ببرود: “أنا هبدأ من جديد”.

شاهيناز منطقتش، وماردتش بكلمة.

فهو كمل كلامه وكأنه بيعرض مشروع في الشغل: “الفرح هيتعمل في الجونة.. وأمي وأبويا هيسافروا معايا، وولاد عمي كمان.. والولاد لازم يحضروا ويشوفوا أبوهم وهو مبسوط”.

شاهيناز صوتها هرب منها وهي بتسأل: “ولادنا؟!”

رد عليها: “بلاش تشحني الولاد ضدي يا شاهيناز.. ودور الضحية ده مش لايق عليكي”.

​الليلة دي، شاهيناز دخلت الحمام وفضلت تعيط تحت الدش ومشغلة المايه على الآخر عشان محدش يسمع صوت شهقاتها. بس قدام شريف؟ منزلتش دمعة واحدة. ولا ترجته، ولا سألته “أنت مابقتش تحبني؟”.. هي كانت عارفة الإجابة كويس، وبصراحة، كانت عارفاها بقالها سنين.

​السنين اللي ضاعت

​على مدار عشرين سنة تقريباً، شاهيناز هي اللي كانت شايلة كل حاجة: مواعيد تطعيمات الولاد، اجتماعات أولياء الأمور في المدرسة، الروشتات، أعياد الميلاد، الفواتير، لبس المدارس، وطبخ الغدا كل يوم. شريف كان هو “الراجل الناجح”.. “السبع اللي بيصرف”.. الراجل اللي يرجع البيت متأخر وعايز العشا سخن وجاهز عشان “يومه في الشغل كان أهد حيل من يومها”.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *