حكايه كامله حكايات الكاتبه ملك ابراهيم

اليوم بتاع الجلسة جه، دنيا وقفت في القفص، إيدها ماسكة حديدة باردة. قبل قضيتها كان في مرافعة تانية، محامي شاب واقف ببدلة غامقة، صوته هادي وواضح: “التهمة بلا دليل، والشهود ما شافوش حاجة، ونطلب براءة”. القاعة ساكتة، والكل مركز معاه. دنيا عينيها عليه، قلبها بيدق بسرعة مش فاهمة ليه: الملامح، الوقفة، النبرة فيها حاجة مألوفة، كأنها شافت الشاب ده زمان، صغير، وهو يشدها بعيد عن الإزاز قدام مطعم.

حاولت تركز في الكلام، بس دماغها بتعيد ملامحه: الخط حوالين العين، الحركة وهو بيشاور للقاضي، الضغطة الخفيفة على سنانه لما بيتضايق. همست لنفسها: “حسن؟” الكلمة وقعت جوه قلبها قبل ما عقلها يصدق. القاضي خبط بالجلسة اللي بعدها، دنيا رجعت خطوة لورا، عينيها عليه وهو بيجمع ورقه، مستنية أي لمحة تقولها إن الحدس ده صح، أو إن التعب خلاها تشوف اللي هي عايزاه في أي شاب مألوف.

القاعة فضيت شوية، والقاضي طلع يراجع الأحكام. المحامي الشاب قرب من موكلته في القفص يطمنها ويوعدها بالبراءة. دنيا، إيدها متعلقة بالقفص، نادت عليه بصوت مبحوح:

“حضرتك… ممكن تترافع عني؟ أنا مظلومة، ومليش حد.”

لف لها. عينه وقعت على وشها المجهد، ملامحها شبهت خيال قديم في دماغه. سألها بهدوء، كأنه بيختبر نفسه:

“اسمك ايه؟”

ردت، والحروف طلعت خفيفة: “دنيا”.

سكت، عينه ثبتت عليها ثانية زيادة، سأل تاني:

“اسمك بالكامل؟”

قالت: “دنيا مصطفي عماره. أهلي ماتوا وانا صغيرة ومليش غير أخ واحد اسمه حسن ومعرفش طريقه فين.”

الهوا في القاعة وقف. المحامي اتنفس بصعوبة، وبص لملف دماغه من سنين، للاسم اللي دور عليه في كل محضر. مد إيده، نبرة صوته اتغيرت، قديمة كأنها راجعة من طفولة:

“دنيا أختي… أنا حسن أخوكي.”

عينيها اتوسعت، الشفتين رعشوا، والقفص بقى مش فاصل بين زمان وأول اللقاء دلوقتي. دمعتها نزلت قبل ما تنطق، وهو واقف برا القفص، بس إيده اتمدت كأنها بتشدها من الإزاز تاني، زي ما كانوا صغيرين.

القاضي دخل، ورق في إيده، وعين حسن لسه متعلقة بدنيا كأنه بيحميها من الحكم قبل ما يتقال. أسامي اتندهت، وأحكام نزلت، ودنيا سمعت اسمها: “الحبس ست شهور”. ساقها انقبض، بس عينيها ما سابتش وش حسن.

الجلسة اترفعت، وحسن قرب من القفص، كف إيده لمس الحديد جنب كفها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *