حكايه كامله حكايات الكاتبه ملك ابراهيم

دنيا تحس بالوشوشة، تبعد عن الصالة، وتساعد في المطبخ زيادة، كأنها بتتأسف على حاجة ما عملتهاش. مرة سمعت أم نعيمة بتقول لجارتها: “مصلحة بنتي أهم”. دنيا بلعت ريقها، ودخلت توضب أوضة نعيمة، حطت الطرح على الدولاب ورتبت السرير، وفضلت سرحانة في شباك المطبخ: لو حسن هنا، كان دخل ضحك، وقال “محدش قدك يا دنيا”، ومشي الزعل بكلمة. بس حسن بعيد، وهي كل يوم تشيل شعور إنها ضيفة زادت على أهلها، وتحاول تعوضه بخدمة صامتة، وعيونها تنام كل ليلة على صورة ولد صغير في خيالها، مش عارفة إن الزمن كبره وبقى محامي بيدور عليها في كل محضر.
الليلة دي أم نعيمة ما طولتش في اللف والدوران. دخلت على دنيا وهي لسه بتطبق الغسيل، وقفلت الباب وراها:
“كفاية علينا لحد كده. بنتي عانس جنبك، وكل اللي ييجي يمشي من بابنا عشانك. روحي لحالك بعيد عننا.”
دنيا اتجمدت، الغسيل وقع من إيدها: “طب أروح فين؟”
أم نعيمة بصت الناحية التانية: “ربنا يسهلك، دوري على أهلك”.
لمت دنيا طرحتين وحاجاتها في كيس بلاستيك، ونزلت السلم قبل ما أبو نعيمة يرجع من القهوة عشان ما تبصش في وشه. الشارع استقبلها تاني، بس المرادي مافيش حسن يمسك إيدها. مشيت لحد ما رجليها وجعوها، قعدت على رصيف محطة، حضنت ركبها، وجواها صوت واحد بيتكرر: “حسن… لو لقيتك بس”.
الليل كان بارد، والطرحة على راسها قديمة، بس الحلم اللي شايلاه جديد ومضوي: تلف المدن لحد ما تلاقي اسم أخوها على يافطة، أو تسمع حد بينده على واحد اسمه حسن، ويطلع هو. نامت على الكرسي وهي حاطة الكيس تحت راسها، وعينيها مقفولة على خيال ولد صغير ماسك إيدها وبيعدي بيها من الشارع للمحطة، زي زمان.
دنيا فضلت ماشية في شارع ضلمة، حواري أضيق من صوتها. راجل طالع من خمارة سد عليها الطريق، عينه حمرا وريحة بقه عفنة، ومد إيده. دنيا رجعت خطوة، وهو قرب، إيدها لمست قالب طوب جنب حيطة. لما هجم، ضربته على دماغه بكل الرعب اللي فيها، وقع سايح في دمه، وهي جريت.
الراجل دخل المستشفى بين الحياة والموت، والشرطة جابتها من كاميرا محل. في القسم، دنيا بتحكي: “حاول يلمسني”، والمحضر مكتوب سرقة. الضابط بيبص لقيد التعريف: لا شهادة، لا أهل، لا عنوان. اتحبست احتياطي.
جوه الحجز، السقف عالي واللمبة بتطن. دنيا على بلاط بارد، بتفتكر إيد حسن وهي بتعديها الشارع. بتنام على صوت مفتاح الزنزانة، وتصحى على اسمها وهي نازلة تحقيق. كل مرة تقول: “ما سرقتوش… ده كان هيإذيني”، بس الورقة ما بتتغيرش. في ليلة هادية، همست لنفسها: “يا رب ألاقي أخويا حسن أنا محتاجاه أوي دلوقتي”، وما عرفتش إن أخوها اللي بيدور من سنين بقى محامي، وإن اسمه اتردد الأسبوع اللي فات في نيابة جنب زنزانتها، من غير ما الجدران تقول.