كامله لمشيره محمد

النهاردة بدري. وواقف حالياً في المطبخ مع بنتك.. شاهيناز.
صوت مدحت اتغير، حس إن فيه حاجة غلط خير يا أحمد؟ فيه حاجة حصلت؟
فيه إن التمويل اللي كنت طالبه لشركتك عشان ينقذك من الإفلاس.. اترفض. قلتها بمنتهى البساطة.
شاهيناز صرخت أحمد! أنت بتعمل إيه؟!
كملت كلامي مع أبوها ولا كأنها صرخت مش بس كده يا عمي.. كل المشروعات المشتركة بين شركاتي وشركتك ملغية من الدقيقة دي. والفلوس اللي ليك عندي هتسددها بالقانون، واللجنة المالية بتاعتي هتستلم أوراق الشركة بكره الصبح عشان الحجز التحفظي.
مدحت صوته اتخنق بالرعب على الناحية التانية أحمد! يا بني أنت بتقول إيه؟! إيه اللي حصل لكل ده؟ إحنا ناسين إيه؟ فيه بيناتنا نسب ويا بنتي خطيبتك!
بنتك كانت بتضرب أمي في المطبخ دلوقتي يا مدحت بيه. قلتها بصوت زي الصخر بنتك كانت بتجبرها توقع على تعهد وتروح دار مسنين عشان خايفة على منظمتها الاجتماعية.
السكون ساد الميكرفون لثواني، وبعدين صوت مدحت انكسر تماماً شاهيناز؟ أنتِ عملتي إيه يا مصيبة؟!
شاهيناز اتجننت، مسكت موبايلها وهي بتصرخ في أبوها بابا! هو بيكذب! هو بيتبلى عليا! هو اللي مسكني و…
قاطعتها وأنا برفع الموبايل بتاعي وبشغّل الحتة اللي بتقول فيها وقّعي يا سعاد! دار المسنين خلاص مستنيينك هناك.. يا إما وحياة غلاوتك لأخلي ابنك ما يكلمكيش تاني طول عمره!
صوت شاهيناز في تسجيل الفيديو كان طالع واضح كالشمس، بحدته وغلّه.
مدحت على الناحية التانية

اتنفس بصعوبة كأنه بيموت شاهيناز… أنتِ خربتي بيتنا.. أنتِ دمرتينا!
قفلت الخط في وش مدحت.
شاهيناز كانت بتبصلي بذهول، أركان عالمها كله كان بيبنهار قدام عينيها في أقل من خمس دقائق. فلوس، نفوذ، جوازة العمر، مستقبل عيلتها.. كل ده اتمسح بمسحة استيكة.
أنت.. أنت مش بني آدم! شاهيناز صرخت والدموع بدأت تنزل من عينيها، بس مش دموع ندم، دموع قهر وغضب أنت فاكر نفسك إيه؟ عشان معاك فلوس هتتحكم في الناس؟
قربت منها خطوة، وبصيت في عينيها بكل قسوة أنا ما اتحكمتش فيكي.. أنتِ اللي افتكرتي هدوئي ضعف، وافتكرتي إنك ذكية وتقدر تلعبي بيا وبأمي. أنتِ دورتي على النفوذ والقسوة؟ أنا أهو.. القسوة والنفوذ على أصولهم.
مشيت ناحية صالة الشقة، فتحت شنطتي، وطلعت منها علبة قطيفة حمرا صغيرة. رجعت المطبخ، فتحتها قدام وشها، وطلعت منها خاتم الألماظ اللي كنت شاريهولها من باريس الأسبوع اللي فات.. خاتم ثمنه ملايين.
شافت الخاتم، وعينيها لمعت بكسرة.
رميت الخاتم في الحوض، تحت مية الحنفية، وفتحت المية عليه وسبته ينزل مع المية المغلية والفضلة.
الخاتم ده كان لعروستي.. قلتلها وأنا ببصلها بقرف بس أنتِ طلعتي أرخص من إنك تلبسي حتة حديدة.
شاهيناز كانت بتترعش من كتر الغضب والعجز أنا همشي من هنا.. ومش هتشوف وشي تاني! بس افتكر إنك دمرت عيلتي!
تؤ تؤ تؤ.. هزيت صباعي بالنفي تمشي؟ مين قال إنك ماشية بالبساطة دي؟
مسكت الموبايل تاني، وطلبت رقم المحامي بتاعي، الأستاذ سامح، أكبر محامي جنائي في البلد.
أهلاً يا سامح بك.
أهلاً يا أحمد بيه.. خير؟
عايزك ترفع قضية حالاً الشروع في الابتزاز، التعدي الجسدي والنفسي على مسنة، والتهديد. ومعايا فيديو ميعاد توثيق كامل للواقعة بصوت وصورة أنقى من السحاب.
شاهيناز صرخت قضية إيه؟! أنت تجننت؟! أنت عايز تحبسني؟!
سامح المحامي رد فوراً المحاضر هتجهز خلال ساعة يا أحمد بيه، والفيديو يتبعتلي حالاً، وبكره الصبح هتبقى قدام النيابة العامة.
قفلت مع المحامي، وبصيت لشاهيناز اللي كانت منهارة تماماً على الأرض، بتعيط بجد المرة دي، بتستعطفني أحمد.. عشان خاطري! بلاش النيابة والمحاكم! بابا مش هيستحمل، وأنا.. أنا أسفة! والله أسفة! كان غباء مني! أرجوك سامحني!
نزلت لمستواها، وبصيت في عينيها المرعوبة الأسف ده تقوليه للقاضي يا شاهيناز. أنتِ افتكرتي أمي ملهاش حد عشان غلبانة وطيبة.. نسيتي إن ليها راجل يهد الدنيا لو حد لمس طرف من طرحتها.
وقفت وشاركت الباب الرئيسي.
بره. قلتها بكلمة واحدة، واطية، بس أثرها كان زي الانفجار.
شاهيناز قامت بسرعة، بتجر رجليها، شنطتها الماركة أترمت على الأرض وهي بتلم أشيائها المتبقية بانهيار، وطلعت تجري من باب الشقة وهي بتعيط بصوت عالي، صوت الخيبة والدمار اللي صنعتهم بإيديها.
قفلت الباب وراها بالمفتاح.
البيت رجع هادي تاني.. الصمت الهادي المريح.
لفيت وأخدت أمي في حضني. أمي كانت بتعيط، بس المرة دي دموع ارتياح. مسحت دموعها بإيدي، وبست رأسها وإيديها.
خلاص يا أمي.. المصيبة غارت، وما عاش ولا كان اللي يقل منك أو يضايقك في بيتك.
أمي طبطبت على ضهري بدموع يا بني أنا كنت خايفة عليك وعلى مستقبلك.. البنت دي مش سهلة..
ابتسمت لها ابتسامة حقيقية لأول مرة من ساعات ابنك مش سهل برضه يا أمي.. واللي يفكر يمس شعرة منك، أفرمه وأفرم عيلته وما يرمشليش جفن. البيت ده بيتك، والملك ملكك، واللي مش عاجبه وجودك تحت رجلينا.. يبقى ملوش مكان في حياتنا أساساً.
سندت أمي لحد ما قعدت في الصالة، عملتلها كوباية شاي بالنعناع بإيدي، وقعدت تحت رجليها على الأرض، أسولف معاها وأضحكها عشان تنسى الكابوس اللي عاشته.
في خلال أسبوع واحد بس…
أخبار إفلاس شركة مدحت بيه كانت على كل لسان في السوق. المشروعات اتوقفت، البنوك حجزت على ممتلكاته، والشيكات اللي ملهاش رصيد دخلته في دوامة قضايا ملهاش آخر.
أما شاهيناز.. فالفيديو اللي كان معايا ما وصلش للصحافة، بس وصل للنيابة. والقضية اتسجلت، وخرجت بكفالة على ذمة المحاكمة، مع منع من السفر وسمعة بقت في الأرض بين كل عائلات المجمع الراقي اللي كانت بتحلم تتفشخر وسطهم.
بقيت أقعد كل يوم الصبح مع أمي في البلكونة، نشرب الشاي ونبص على الجنينة.
الناس في السوق فاكريني رجل الأعمال الهادي، اللي بيلبس بدلة شيك ويقول لو سمحت للويترية.
بس شاهيناز، وعيلتها، وكل واحد يفكر يربط اسمه باسمي.. عرفوا الحقيقة.
عرفوا إن الهدوء مش ضعف.. وأن الأسد لما بيسكت، بيبقى بيجهز للمذبحة.
تمت. مشيره محمد

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *