تنكرت في زي عامله نظافه

تنكّرت في هيئة عاملة نظافة لأختبر خطيبة ابني قبل زفافهما. ما إن رأت زيّي البالي حتى رمقتني بازدراء وقالت
إنتِ شكلِك مقرف حد لازم ينضف الوساخة دي عنك!
ثم سكبت عليّ دلوًا من ماء قذر وهي تضحك. مسحت وجهي بهدوء، وضغطت على جهاز التسجيل المخفي في جيبي، وناديت على ابني لينزل
وصل الماء الرمادي المتسخ إلى شعري وانساب داخل ياقة زيّي القديم قبل أن يصل ابني إلى آخر درجات السلم. ضحكت سلمى وكأن إذلال عاملة بسيطة هو أمتع شيء فعلته هذا الأسبوع.
قالت باحتقار وهي تضع الدلو الفارغ بجوار قدمي
إنتِ شكلِك مقرف حد لازم ينضف الوساخة دي عنك.
مسحت وجهي ببطء بكمّ الزي الذي اشتريته من محل ملابس مستعملة. وتحت القماش، كان إصبعي يضغط على جهاز التسجيل في جيبي.
ناديت بهدوء
يا أحمد ممكن تنزل لو سمحت؟
اختفت ابتسامة سلمى للحظة.
قبل ثلاثة أسابيع، أعلن ابني خطوبته. كان أحمد في الثانية والثلاثين، طيب القلب، ناجحًا لكنه يثق بالناس أكثر من اللازم. دخلت سلمى حياته كقطعة زجاج مصقولةجميلة، باهظة، لكنها حادة لدرجة قد تجرح أي شخص يقترب منها بلا حذر.
كانت تعاملني بأدب شديد حين تعرف من أكون.
على مائدة العشاء، كانت تناديني مدام هالة، وتشيد بالمؤسسة الخيرية التي أنشأتها بعد وفاة زوجي. كانت تمسك يدي وتسأل عن صحتي، وتؤكد أنها تريد زفافًا بسيطًا لأن الحب أهم من المال.
لكن العاملين في المنزل قالوا شيئًا مختلفًا تمامًا.
همست لي مديرة المنزل أمينة
أول ما أحمد بيخرج، بتشتمنا وتقول علينا حيوانات امبارح خلت يوسف ينضف الأرض وهو راكع علشان أثر رجليها هي.
لكن أحمد رفض أن يصدق.
قال لي
هي متوترة بسبب الفرح ادّيها فرصة بس.
فهمت تمسّكه بها. بعد وفاة والده وهو في السادسة عشرة، عاش أحمد سنوات يحاول حماية كل من يحبهم. لم أرد أن أختار له زوجته أردت فقط أن يختار بعينين مفتوحتين.
لذلك منحت سلمى اختبارًا واحدًا بدون أي حواجز.
أخبرها أحمد أن عاملة نظافة مؤقتة ستأتي بينما يحضر باقي العاملين دورة تدريبية. أخفيت شعري الأبيض تحت شعر مستعار داكن، وارتديت نظارة سميكة، ولوّثت يدي ببعض تراب الحديقة، ودخلت بيتي من باب الخدمة.
خلال ساعة واحدة فقط، أمرتني سلمى بحمل ستة صناديق ملابس إلى الطابق العلوي، وسخرت من طريقتي في الكلام، واتهمتني بسرقة سوار ألماس كانت قد أخفته في حقيبتها. وعندما وجدته في نفس المكان الذي وضعته فيه، اقتربت مني وهمست
الناس اللي زيك المفروض تشكر الناس اللي زيي إنهم بيدخلوهم البيت.
ثم لاحظت أثر طين بجوار المدخل.
وأمرتني أن أنظفه بيدي.
وعندما رفضت أحضرت الدلو.
والآن، كان أحمد يقف في منتصف السلم، ينظر إليّ بصدمة.
التفتت سلمى بسرعة وقالت
حبيبي، الست دي كانت بتهددني!
خلعت النظارة ببطء.
تغير لون وجه أحمد
ماما؟!
اختفى اللون تمامًا من وجه سلمى لكنني لم أنتهِ من اختبارها بعد
تجمّد المكان لثوانٍ، وكأن الزمن نفسه توقف.
حدّق أحمد فيّ، ثم في سلمى، وعاد ينظر إليّ مرة أخرى وكأنه لا يصدق ما يراه.
ماما إيه اللي حصل؟!
ابتسمت بهدوء، رغم أن الماء المتسخ ما زال يتساقط من شعري على الأرض.
اسأل خطيبتك يا أحمد هي أكتر واحدة تقدر تشرح.
ارتبكت سلمى، وحاولت أن تستعيد توازنها بسرعة. اقتربت من أحمد وأمسكت بذراعه
صدقني الست دي كانت بتستفزني! أنا بس كنت بدافع عن نفسي!
نظرت إليها بثبات، ثم أخرجت جهاز التسجيل الصغير من جيبي ورفعته أمامهما.
غريب لأن الجهاز ده سجّل حاجة تانية خالص.
اتسعت عيناها فجأة، وتراجعت خطوة للخلف.
ضغطت زر التشغيل.
امتلأ المكان بصوتها الواضح
الناس اللي زيك المفروض تشكر الناس اللي زيي إنهم بيدخلوهم البيت
ثم صوت ضحكتها وهي تسكب الماء، وكلماتها القاسية التي لم تترك مجالًا لأي تفسير.
تجمّد وجه أحمد، وتحول من الصدمة إلى خيبة أمل عميقة.
سلمى ده حقيقي؟ قالها بصوت منخفض لكنه حاد.
أنا أنا كنت بهزر! حاولت أن تضحك، لكن صوتها خرج مرتعشًا.
أنت عارفني ممكن أكون اتعصبت شوية بس
قاطعها أحمد بحدة لأول مرة
بالهزار بتذلي الناس؟! وبتتّهميهم بالسرقة؟!
حاولت الاقتراب منه مرة أخرى، لكنه هذه المرة سحب ذراعه بعيدًا عنها.
تقدّمت خطوة للأمام، ونظرت إليه بهدوء
أنا ما عملتش كده علشان أفضحها عملته علشانك أنت. علشان تختار صح.
ظل صامتًا للحظات، ثم تنفس بعمق، وكأنه يتخذ قرارًا صعبًا.
نظر إلى سلمى وقال بوضوح
الخطوبة دي انتهت.
شهقت بصوت عالٍ
إيه؟! إنت مش ممكن تكون جاد!
جاد جدًا. رد دون تردد.
أنا مش هقدر أعيش مع حد بيعامل الناس بالشكل ده خصوصًا في بيتي.
تحولت ملامحها من الصدمة إلى الغضب، ثم صاحت
إنت بتضيع أحسن حاجة حصلت لك علشان واحدة تمثيلية!
ابتسم أحمد بسخرية خفيفة
لو دي تمثيلية فأنا شايف حقيقتها كويس جدًا.
ثم أشار ناحية الباب
اتفضلي.
وقفت للحظة وكأنها لا تستوعب ما حدث، ثم أمسكت حقيبتها بعنف واتجهت نحو الباب، لكنها توقفت قبل أن تخرج، ونظرت إليّ بحقد
أنتِ السبب في كل ده.
قابلت نظرتها بثبات وقلت
أنا بس كشفت اللي كان موجود.
خرجت وأغلقت الباب خلفها بقوة.
ساد الصمت.
نظر أحمد إليّ مرة أخرى، وعيناه تمتلئان بالندم
أنا آسف يا ماما كان لازم أصدقك.
ابتسمت وربتّ على كتفه
المهم إنك شفت الحقيقة قبل فوات الأوان.
تنهد ببطء، ثم قال
واضح إني كنت محتاج الاختبار ده حتى لو كان قاسي.
نظرت إلى الأرض المبللة ثم ضحكت بخفة
وأنا كمان واضح إني محتاجة أغير هدومي الأول.
ضحك أحمد أخيرًا، لكنه كان ضحكًا يحمل راحة ممزوجة بألم.
لم يكن ما حدث مجرد نهاية علاقة
بل بداية وعي جديد لم يكن ليتحقق لولا لحظة قاسية لكنها صادقة.
مرّت أيام قليلة، وبدأ الهدوء يعود تدريجيًا إلى البيت لكن العاصفة لم تكن قد انتهت بعد.
في مساء يوم هادئ، كنا نجلس أنا وأحمد في غرفة المعيشة، حين رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، فتغيّر وجهه فورًا.
سلمى
لم يرد في البداية، لكن الإصرار في الاتصال جعله يضغط على زر
لمحة نيوز