حمايا حصري لصفحه روايات رولا

خلال الأسابيع الأولى، كان الأستاذ إبراهيم باين عليه إنه كويس. ممرضة اسمها مريم كانت بتروح معاه الكشوفات، وتعمله أكلة، وتبعثلي صورة كل ما ليلى تسمحلها. كنت بكلمه تقريباً كل يوم.
— أنا مرتاح يا بنتي، خللي بالك أنتِ بس من فريدة.
لما بنتي رجعت المدرسة، قررت أروح أزور إبراهيم. ليلى رفضت.
— مش عايزة قرف، ومش مسموحلك تجي تتفتشي عليا في بيتي.
— أنا مش جاية أفتش، أنا جاية أشوف حمايا.
— مافيش زفت.
اقترحت أطلع أغديه برة، برضه رفضت. مدحت مبقاش بيرد على تليفونات دانيال. وبعدها، تليفون إبراهيم بقى مقفول بالأيام.
كل ما أسأل، ليلى تطلعلي بحجة.
— الزهايمر زاد عنده أوي، ده بقاش عارف يمسك التليفون أصلاً.
— طب إديهولي أكلمه ولو دقيقة.
— نايم!
في يوم استويت وطفح بيا الكيل.
— بقولك إيه يا ليلى، لو ما خليتينيش أشوفه الويك إند ده، أنا هجيلك البيت وأمرى لله.
— شوفي بس لو تجرأتي ورجليكي عتبت هنا، هشوفك وش عمك في حياتك ما شفتيه.
التهديد ده فكرني بالقلم اللي أكلته منها من سنين.
بعدها بليلتين، جت المكالمة بتاعة 2:17 بالليل.
— يا بنتي… أنا جيعان أوي.
— هو مدحت وليلى فين يا بابا؟
— مش راضيين يأكلوني… عايزين يخلوني أوقع على ورقة.
— ورقة إيه؟!
— الفلوس… عايزين يسحبوا الفلوس…
سمعت صوت باب ببيفتح جامد.
— بتكلم مين يا راجل يا خرفان أنت؟!
والمكالمة اتقطعت.
صحيت دانيال فوراً وسمعته التسجيل. وشه جاب ألوان ودلدم من الصدمة.
— مش هنروح لوحدنا.
كلمنا النجدة 122، ولما البوليس جه، وريناهم التسجيل وشرحنالهم إن إبراهيم عنده تدهور عقلي، بس في أوقات صفاء ذهنه بيعرف يعبر عن نفسه كويس جداً.
الساعة 3:05 الفجر كنا واقفين قدام فيلا مدحت في التجمع.
ليلى ردت من الإنتركم:
— أنتِ اتجننتي؟! أنتِ عارفة الساعة كام دلوقتي؟!
— افتحي، عايزة أشوف إبراهيم.
— الراجل نايم، غوري من هنا!
الظباط عرفوا بنفسهم وطلبوا يدخلوا يعملوا معاينة وتأكد من سلامة الراجل. رفضت.
ساعتها عملت حركة عمراني ما كنت أتخيل أعملها في حياتي.
— أنا فاهمة أنتِ مش راضية تفتحي ليه.. خايفة، خايفة بجد أكتشف إنك بعد كل المنظرة والشفافية دي، لسه عايشة على شقا ونصيب راجل كبير بتسرقيه!
السكوت عم المكان.
— طول عمرك مرعوبة تحسي إنك أقل مني يا ليلى، وعشان كده ضربتيني زمان!
الباب اتفتح بلطشة ودفعة جنونية.
ليلى خرجت حافية، وعيونها طالع منها شرار:
— قولي الكلمة دي تاني في وشي لو جدعة!
رفعت إيدها عشان تضربني، وفي لحظتها لمحت الظباط واقفين ورايا.
دانيال استغل إن الباب مفتوح ودخل يجري:
— بابا!!
من جوة البيت، اتسمع صوت ضعيف ومخنوع:
— أنا هنا! الحقوني!
الظباط دخلوا فوراً عشان في خطر مباشر على حياه إنسان. وليلى حاولت تقف في طريقهم.
— ما ينفعش تهجموا كده وتدخلوا من غير إذن!
الصوت اتكرر تاني:
— الحقوني يا بني!
الصوت كان طالع من أوضة جنة الجنينة ورا، جنب أوضة الغسيل.
الباب كان مقفول بقفل حديد من برة!
— القفل ده محطوط ليه هنا؟ — الظابط سأل بشك.
— عشان حمايا بيخرج ويتكعبل وربنا يسترها، بيلخبط!
— افتحي القفل ده فوراً.
ليلى وقفت وما تحركتش.
دانيال صرخ:
— بابا! أنا دانيال!
— يا دانيال! الحقني يا بني خذني من هنا!
الظباط كسروا القفل بسرعة.
ولما الباب اتفتح… رجليا ما شالتنيش والدم اتجمد في عروقي.
إبراهيم كان مربوط في السرير بأحزمة جلد، جاف ومسحوب كأنه هيكل عظمي. دراعاته مليانة كدمات blue ورجليه فيها جروح صغيرة، وجنبه كوباية مية فاضية على الأرض. الأوضة ريحتها تكتم النفس.. كتمة وعرق وبول!
— يا بنتي… جيتي!
جريت عليه ودموعي نازلة:
— أنا جيت يا بابا.. خلاص محدش هيقدر يلمس منك شعرة تاني.
مدحت ظهر وراينا وبيزعق:
— أنتوا مش فاهمين حاجة! هو بيأذي نفسه! ورافض يأكل أصلًا!
ليلى بدأت تعيط وتعمل شو:
— إحنا شايلينه في عينينا وبنعمل كل حاجة عشانه، وأنتوا جايين تعاملونا كأننا مجرمين؟!
واحد من الظباط شاور على القفل المكسور وقال بتريقة:
— وهو كمان بينزل يقفل على نفسه بالقفل من برة؟!
محدش فيهم عرف يرد بكلمة.
إبراهيم اتنقل المستشفى وهو يعاني من جفاف شديد وسوء تغذية حاد. مدحت وليلى أتاخدوا على القسم، بس تاني يوم بدأوا يلفوا ويدوروا ويقولوا نفس النغمة: إن إبراهيم هو اللي بيأذي نفسه ورافض الأكل، وأن التربيط ده كان لحمايته.
ومن غير شاهد دائم على اللي بيحصل، كنا خايفين يركبوا مرض الزهايمر ده ويطلعوا كل كلام إبراهيم على إنه “تهتة وخرف”.
كنت قاعدة جنب سريره في المستشفى، وحاسة بقلة حيلة وقهر إنهم بعد كل ده ممكن يخرجوا منها زي الشعرة من العجين.. فجأة الممرضة دخلت.
— يا مدام، في واحدة برة بتسأل عليكِ، بتقول اسمها مريم الممرضة.
خرجت لها الطرقات بسرعة.
الممرضة القديمة كانت ماسكة في إيدها تليفون، وفلاشة (USB)، ودوسيه أوراق.
— أنا كنت عارفة إنهم هيعملوا فيه حاجة أوحش من كده في يوم من الأيام — قالتها لي بتصميم — عشان كده أنا سجلت وجمعت كل حاجة!