حمايا حصري لصفحه روايات رولا

مريم كانت اشتغلت في البيت ده أقل من 3 شهور. ليلى مشيتها بحجة إنهم مش قادرين يدفعوا مرتبها، بس الحقيقة مش كده خالص.
— هما مشوني عشان شفت كتير.
الفلاشة كان عليها فيديوهات متسجلة من تليفونها ومن كاميرا صغيرة مريم كانت حطاها في المكان اللي بتجهز فيه الأدوية. الفيديوهات ما كانتش خناقة عابرة، دي كانت بتوضح نمط تعذيب منظم.
في فيديو منهم، مدحت كان بيسحب طبق الأكل من قدام إبراهيم بعد ما رفض يوقع على ورق.
— لو مش هتعاون معانا، ما تستناش إننا نتعاون معاك أو نأكلك!
وفي فيديو تاني، ليلى زقته بكل قسوة في الكرسي:
— أنت خلاص مبقاش عندك مصنع ولا بقيت بتنتج حاجة، وفاكر نفسك لسه الباشا؟!
كان في تسجيلات بيشتموه فيها، ويقللوا الأكل، ويهددوه إنهم يسيبوه مرمي لوحده. بس الفيديو اللي خلاني اترعش من طوب الأرض كان مختلف.
مدحت حط دوسيه قدام أبوه:
— وقع على الغاء التوكيل والتنازل ده وكل المشاكل دي هتخلص.
إبراهيم هز رأسه بالرفض:
— الفلوس دي عشان علاجي ومصاريفي.
ليلى ضربت الترابيزة بغل:
— الفلوس دي حقنا إحنا عشان شايلين قرفك وبنراعيك!
وهنا ظهرت المفاجأة الأولى اللي ما كأنوش يعملوا حسابها.
الـ 3 مليون جنيه ما كانوش في حساب عادي. إبراهيم، لما كان لسه بمخيلته وعقله وفي كامل قواه العقلية، كان حاططهم في صندوق ائتماني (وديعة مغلقة) مخصص فقط للمصاريف الطبية والرعاية الفعلية. وعشان أي حد يسحب منه خارج الغرض ده، كان لازم موافقات وأوراق معقدة. مدحت وليلى ما كأنوش يقدروا يسرقوا الفلوس ببساطة.
عشان كده كانوا محتاجين إمضاءته بالسيف.
وعشان كده مشوا مريم الممرضة.
ولما إبراهيم رفض، بدأوا يعاقبوه بالمسغبة والتربيط.
الدوسيه اللي مريم جابته كان فيه برضه صور لرسائل ليلى بعتتها لها:
— ما تتدخليش في اللي مالكيش فيه، الراجل ده تلزمنا إحنا وتخص العيلة.
ورسالة تانية:
— لو اتكلمتي، هنلبسك تهمة سرقة في البيت.
أنا بكيت من القهر والغل:
— ليه ما جيتيش علطول وقولتيلنا؟
مريم وطت رأسها للأرض:
— خفت.. بس فضلت أحوش وأسجل كل حاجة لأن كنت عارفة إن الراجل ده ممكن يروح فيها ويموت.
سلمنا كل الأدلة للنيابة، وهنا جت الضربة الثانية.
المحامي اللي كان عامل الصندوق الائتماني لإبراهيم احتفظ بالأوراق والمكاتبات، وبلغ إن مدحت حاول مرتين يزور أوراق عشان يغير الجهة المستفيدة من الفلوس. الإمضاءات ما كانتش مطابقة، وواحدة من التواريخ كانت في يوم إبراهيم كان محجوز فيه في المستشفى!
القض..ية مبقتش مجرد إهمال أو سوء معاملة.. بقت جناية إكراه، وتزوير، وشروع في الاستيلاء على أموال مريض ومسن.
الحسابات والتحويلات اتفتحت، وظهرت بلاوي: تحويلات، وقسط العربية، ومصاريف شركة الإنتاج، وشراء البراندات اللي مدحت وليلى كانوا شارينها من فلوس الراجل على مدار شهور.
لما ليلى عرفت إن النيابة بتفتش في الفلوس والمستندات، كلمتني من رقم غريب:
— أنتِ عملتي كده عشان تنتقمي مني!
— لا، أنتوا اللي عملتوا في نفسكم كده كل مرة منعتم عنه الأكل، وكل مرة ربطتوه من إيديه، وكل مرة حاولتوا تجبروه يمسك القلم.
— طول عمرك ونفسك تشوفينها تحت!
— أنا كان نفسي بس أشوفه عايش وبخير.
السكوت حل للحظات، وبعدين قالت:
— تنازلي عن القضايا دي وهنسيبكم في حالكم.
ضحكت بوجع:
— أنتِ لسه فاكرة إن الموضوع بإيدي أو تحت سيطرتي؟!
المحاكمة أخدت وقت، بس الفيديوهات، والتقارير الطبية، وتسجيل المكالمة، وأوراق المحامي، والتحويلات المالية كانت أدلة قاطعة ما ينفعش يتقال عليها “أصل الراجل خرفان”.
مدحت وليلى لبسوا أحكام بالسجن مشددة على الجرايم دي، غير إنهم اتلزموا برد كل الفلوس اللي اتسرقت.
وكانت في مفاجأة أخيرة..
الفيلا اللي كانت ليلى بتتفيشر بيها في التجمع والشنط والساعات، الفيلا دي أصلًا كانت مكتوبة باسم إبراهيم كجزء من أصوله ومدحت ما لحقش ينقل ملكيتها. وبعد الأحكام القانونية، اترد كل ده لإبراهيم واتطردوا منها.
فاكرة اليوم اللي ليلى راحت فيه تاخد هدومها وبقايا حاجتها، كنت هناك مع دانيال عشان المحضر والفرز.
بصلتي بنفس الغل ونفس النظرة بتاعة القلم من سنين:
— مبسوطة دلوقتي؟ أهو أنتِ اللي كسبتي في الآخر!
هزيت رأسي بأسف:
— أنتِ مش فاهمة حاجة.. الموضوع عمره ما كان منافسة ولا خناقة مين يكسب.
وشاورت على الأوضة اللي كانوا جابسينه فيها:
— أنا كان أرحملي أخصر قدامك في كل حاجة، ولا إني أشوف حمايا بالمنظر ده جوة الأوضة دي.
ما ردتش وبصت للأرض.
إبراهيم جه عاش معانا. أول كام شهر كانوا صعبين أوي.. كان بيصحى مرعوب، ويخبي العيش تحت المخاد خايف يتمنع عنه الأكل. وكان لما يلمح باب مقفول، يصرخ ويترجانا نفتحه.
عمري ما هنسى أول يوم بطل فيه يخبي العيش.
كنا بنفطر كشري وأكل بلدي هني، فريدة بنتي حطتله حبة كمان في طبقه، طبطب على شعرها وابتدى يبتسم:
— هو هنا في أكل على طول صح؟
— على طول يا جدو، البيت بيتك.
تدهوره العقلي ما اختفاش بالكامل، بس صحته ردت، ووزنه زاد، ورجعتله ضحكته، وكان بيجيله أيام صفاء ذهني كتير. في يوم منهم مسك إيدي وقال:
— سامحيني يا بنتي إن ما سمعتش كلامك من الأول.
— أنت ما تقولش كده أبداً، أنت مقدرك على رأسنا.
— أنا افتكرت إن الفلوس هي اللي هتخلي ابني يراعيني.
رديت بالعافية والدموع في عيني:
— الرعاية ممكن تشتريها بالفلوس، بس الحنية والأصل ما بيتشروا بفلوس الدنيا.
عاش معانا كام سنة بركة في البيت، وتوفى في يوم هادي على سريره، ودانيال وأحفاده حواليه. مدحت وليلى طبعاً ما جوش العزا.
والمرة دي ما زعلتش.
وأنا بحط الورد جنب صورته وصورة الحاجة زينب، فكرت إن العدالة ساعات ما بترجعش اللي راح ولا بتمحي الوجع، بس على الأقل بتيجي في الوقت المناسب عشان تمنع إنسان إنه يموت وهو حاسس إنه لوحده ومكسور.
أنا لسه شايلا تسجيل المكالمة بتاعة 2:17 الفجر.. ما بسمعوش، ومش محتاجة أسمعه.
في 5 كلمات عمرهم ما هيروحوا من بالي:
— يا بنتي… أنا جيعان أوي.
وبفتكر برضه الكلمات اللي قالها لي بعد شهور وهو قاعد معانا على السفيرة:
— أنا هنا خلاص مش خايف.