امي ماتت

— يعني قرشين العيادة أهم عندك من حياة أمي؟
الخناقة دي قعدت ساعات. طارق اتهمها بالأنانية، والجشع، وقسوة القلب. سارة بكت في سرها، مش علشان العيادة، لكن علشان قدر يخليها تحس بالذنب لأنها بتدافع عن الحاجة الوحيدة اللي عملتها بعرق جبينها.
ودلوقتي، فجأة كده، الحجة فاطمة ماتت.
تاني يوم الصبح، طارق خرج ولابس أسود في أسود، عينه جافة ومسك تليفونه.
— بلاش تعملي شو —حذرها وهو عند الباب—. لو كان عندك ذرة احترام لأمي، احترمي رغبتها دي.
سارة ما ردتش.
استنت 20 دقيقة.
أخدت مفاتيح عربيتها، ولبست نظارة سودة تداري عينيها المنفوخة من العياط، وساق حد شقة الحجة فاطمة في مصر الجديدة.
بس اول ما وصلت، كان في حاجة مش مظبوطة.
ما فيش صوان محطوط. ما فيش جيران داخلة طالعة. ما فيش عربيات مركونة قدام العمارة. ولا في هدوء صدمة الموت. مجرد شجرة ياسمين بتهزها النسمة، وستارة بيضا بتهتز ورا الشباك.
سارة طلعت السلم ورجليها بتخبط في بعض، ودست على الجرس.
عدت ثواني.
الباب اتفتح.
الحجة فاطمة ظهرت، لابسة عباية بيتي، لامة شعرها، وفي إيديها مج شاي سخن بيطلع بخار.
— سارة؟ —قالت باستغراب—. إيه اللي جابك بدري كده يا بنتي؟
سارة رجعت خطوة لورا، وشها أصفر زي الليمونة.
— طارق قال إنك توفيتي إمبارح بالليل..
المج وقع من إيد فاطمة واتدشمل على الأرض.
حطت إيدها على قلبها وهي مش مصدقة.
— ابني قال إني مت؟
سارة ما قدرتش تتكلم، اكتفت بأنها هزت رأسها، وهي حاسة إنها حطت إيدها على أول خيط في مصيبة كبيرة.. مصيبة مش حجة فاطمة صاحبتها.
وما كانش حد فيهم متخيل مين اللي كان مستني جوة الخشبة بجد.
الحجة فاطمة قفلت الباب بالترباس وأخدت سارة على المطبخ. عدت ثواني محدش فيهم نطق بكلمة. ريحة الشاي بالنعناع كانت لسه مالية المكان، ريحة دافية وحنونة عكس الكارثة اللي لسه مكتشفينها، كأن البيت مش فاهم إن في حيطة اتهدت بين لحظة والثانية.
— طارق قال لي إنك عيانة يا حجة… —سارة نطقتها بالعافية—. قال لي إنك مش عايزة تشوفيني، وإن وجودي بيتعبك ويزود عليكي المرض.
فاطمة ضمّت شفايفها بحزن وغضب.
— وأنا قال لي إنك مديونة لطوب الأرض! قال لي إنك مكسوفة تبصي في وشي، وإن عيادتك كانت هتتفلس وطارق بيساعدك من وراكي عشان ما يجرحش كرامتك!