سقوط في الهاوية. شنطة هدوم نصها متقفل، وصورة سونار لبنت زي القمر.. دول بس اللي كانت محتاجاهُم "سارة" عشان تاخد القرار اللي مفيش رجوع فيه: ترمي ورا ضهرها اسم "عيلة الشناوي" وتتخلص من جحيمهم. بس اللي عمرها ما تخيلته، إن قساوة وجبروت حماتها "الحاجة إعتماد" هتوصلها لحيطة سد.. بالظبط فوق راس السلم الرخام الكبير بتاع الفيلّا. إعتماد واقفة وعينيها بتطق شرار، مستعدة تعمل أي حاجة في الدنيا عشان تحافظ على هيبة وسيطرة العيلة ودود مفيش مخلوق يكسر كلمتها. في ثانية واحدة، سارة توازنها اِختل.. صرخة مكتومة، وجسمها اترمى لورا. خطوة واحدة على السلم كتبت نهاية لقصة كان باين إن الهروب منها شبه مستحيل. تدحرجت سارة على السلم الرخام، كل درجة كانت بتخبط في ضهرها وجسمها كأنها ضربة مرزبة. شريط حياتها مر قدام عينيها في ثواني: جوازها من "طارق الشناوي" اللي كان فاكر نفسه اِمتلكها، تحكمات الحاجة إعتماد اللي مش بترحَم، واللحظة اللي عرفت فيها إنها حامل في بنت.. البنت اللي كانت طوق النجاة والسبب اللي خلاها تقرر تهرب. استقرت سارة في نهاية السلم، غرقانة في دمها، وعينيها نص مفتوحة بتبص لفوق. الحاجة إعتماد كانت واقفة مكانها، مفيش شعرة اتهزت فيها، ملامحها جامدة زي الصخر. نزلت السلم براحة، وبصت لسارة بنظرة اِستحقار وقالت بنبرة فحيح الأفاعي: "فاكرة نفسك هتقدري تخرجي من بيت الشناوي بوعيل يشيل سرنا؟ إنتي حتة حتة عيلة مالكيش أصل، واليوم اللي فكرتي فيه تتحديني، كان يوم نهايتك." سارة وهي بتنازع، اِيدها كانت على بطنها، وبتهمس بصوت مبحوح: "بنتي.. بنتي يا إعتماد.. حرام عليكي.." في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل طارق وهو بيتكلم في الموبايل، أول ما شاف المنظر، الموبايل وقع من إيده واتصدم: "سارة!! إيه اللي حصل؟ أمي.. إيه ده؟" إعتماد ببرود اِلتفتت لابنها وقالت بلؤم: "مراتك الهانم كانت عايزة تهرب بشنطتها في نص الليل، ورجليها اِتلوت وهي نازلة. اِخلص.. كلم الإسعاف، مش عايزين شوشرة في الحتة." طيران على المستشفى، سارة دخلت العمليات بين الحياة والموت. طارق واقف برة رايح جاي، مش عارف يفكر.. هل أمه ليها يد؟ هو عارف طبع أمه، بس مش متخيل إنها توصل للقتل. بعد ساعتين، الدكتور خرج وعلى وشه علامات الأسف: "الحمد لله، قدرنا ننقذ المدام.. النزيف كان شديد جداً." طارق بلهفة: "والبنت؟ بنتي يا دكتور؟" الدكتور نزّل راسه الأرض: "البقاء لله.. الخبطة كانت قوية جداً على البطن، والجنين ما ستحملش. المدام كمان دخلت في غيبوبة مؤقتة بسبب صدمة الرأس، ومش عارفين هتفوق منها إمتى." في الزاوية، كانت واقفة الحاجة إعتماد، اِبتسامة نصر خفيفة ظهرت على وشها واِختفت في ثواني. اِتقربت من ابنها وطبطبت عليه: " لعله خير يا ابني.. ربنا يعوضك بأحسن منها، واحدة تصون اسمك وتجيب لك الواد اللي يشيل اسم الشناوي، مش دي اللي كانت عايزة تفضحنا." طارق بص لأمه بنظرة غريبة، لأول مرة يحس بالخوف منها.. الخوف اللي لجم لسانه وخلاه يسكت. مرت الأيام، وسارة لسة في غيبوبتها في أوضة العناية المركزة. إعتماد كانت بتزور المستشفى مخصوص مش عشان تطمن، عشان تتأكد إن سارة مش هتفوق. وفي يوم، والمدير الطبي للمستشفى كان قاعد في مكتبه، دخلت عليه إعتماد وقعدت بكل ثقة: "يا دكتور.. أنا شايفة إن نقل سارة لمصحة نفسية أو مكان بعيد أضمن لراحتها.. المستشفى هنا زحمة." الدكتور باستغراب: "بس يا حاجة إعتماد، المريضة في غيبوبة، نقلها فيه خطورة، وبعدين دي محتاجة رعاية طبية دقيقة." إعتماد طلعت شيك بمبلغ خيالي وحطته على المكتب: "الرعاية هتوصلها لغاية عندها.. بس في مكان مفيش مخلوق يعرفه. طارق ابني حالته النفسية بتتدمر كل ما بيشوفها هنا، وأنا عايزة مصلحة الكل." الدكتور طمع في الفلوس، وهز راسه بالموافقة. وفي نفس الليلة، اِتنقلت سارة في عربية إسعاف مجهولة لمكان مقطوع، مصحة قديمة برة القاهرة، مفيش فيها غير دكاترة وممرضين مبيسألوش عن أسامي المرضى.. المهم الفلوس اللي بتدفع أول كل شهر. طارق لما عرف، اِتخانق مع أمه: "إنتي وديتي سارة فين يا أمي؟ إزاي تنقليها من غير ما تقوليلي؟" "جرى إيه يا طارق؟ إنت هتعلي صوتك عليا عشان حتة حتة لسه عايشة على الأجهزة؟ أنا عملت كده عشانك، عشان تشوف حياتك وتتجوز 'بنت الوزير' اللي اِتكلمنا عليها.. سارة خلاص ماتت إكلينيكياً، اِنسى يا ابن الشناوي وفوق لنفسك!" طأطأ طارق راسه كالعادة، واستسلم لجبروت أمه. لكن اللي الحاجة إعتماد ما كانتش تعرفه.. إن في نفس الليلة اللي اِتنقلت فيها سارة للمصحة.. اِيد سارة اِتحركت حركة خفيفة، وعينيها بدأت تفتح ببطء وسط الظلام. لمحة نيوز الجزء الثاني: قيامة سارة فتحت سارة عينيها، الدنيا كانت مغممة، وريحة المكان غريبة.. ريحة رطوبة ومطهرات رخيصة. حاولت تتحرك، حست بألم رهيب في كل حتة في جسمها. اِفتكرت كل حاجة.. السلم، الضحكة الخبيثة لإعتماد، ووجع بطنها. حطت اِيدها على بطنها بسرعة.. لقت بطنها فاضية. دموعها نزلت من غير صوت.. بنتها راحت. دخلت الأوضة ممرضة سنها كبير، ملامحها شقيانة واسمها "ست رضا". أول ما شافت سارة مفتحة عينيها، شهقت: "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! إنتي فوقتي يا بنتي؟ ده الدكاترة قالوا مش هتقومي منها!" سارة بصوت حشرجة: "أنا فين؟ وبنتي فين؟" رضا بصت حواليها بخوف وقربت منها وهمست: "بنتك راحت للي خلقها يا بنتي، يعوض عليكي ربنا. وإنتي هنا في مصحة 'الأمل'.. بس المكان ده مش أمل ولا حاجة، دي مدافن للحيين. الست الكبيرة اللي جابتك هنا دافعة مبالغ عشان تفضلي هنا.. نايمة ومش دريانة بالدنيا." سارة فهمت كل حاجة في لحظة. إعتماد دفنتها صاحية. الغضب والوجع اِتحولوا لكتلة نار جواها. مسكت اِيد الممرضة رضا ورجتها: "أرجوكي يا خالة رضا.. ساعديني. الست دي قتلت بنتي وعايزة تموتني. لو ليكي ضهر أو ولاد، اِرحمي قلبي المحروق." رضا قلبها حن.. كانت دايماً بتشوف الظلم في المكان ده بس مكنتش بتقدر تتكلم، لكن حالة سارة كسرت قلبها: "أنا هساعدك يا بنتي.. بس لازم نخطط صح. الست دي ليها عيون هنا. اِسمعي.. إنتي هتمثلي إنك لسة في الغيبوبة، لغاية ما ألاقي طريقة أخرجك منها." مر شهر كامل.. سارة بتمثل الغيبوبة ببراعة قدام الدكتور اللي بيقبض من إعتماد، وفي السير، رضا كانت بتأكلها وتساعدها تسترد صحتها بالتدريج. لغاية ما جت الليلة الموعودة. رضا دخلت الأوضة وهي بتترعش: "سارة.. اِلبسي اللبس ده بسرعة. النهاردة وردية الممرض الحرامي اللي بيسكر بليل، والباب الوراني مفتوح. اِبن أختي مستنينا برة بتاكسي." بسرعة البرق، خرجت سارة مع رضا، اِتسللوا في ضلمة الليل لغاية ما ركبوا التاكسي. سارة اِلتفتت وبصت للمصحة وقالت في سرها: "ورحمة بنتي اللي راحت.. لاهد عيلة الشناوي طوبة طوبة." سارة راحت قعدت في بيت رضا في حارة شعبية بسيطة في السيدة زينب، مكان ميعرفوش الإنس ولا الجن من طرف الشناوية. قعدت شهور تخطط وتجمع معلومات. عرفت إن طارق خطب بنت راجل واصل في البلد، وإن الفرح هيتعمل بعد أسبوع في أكبر فندق في القاهرة، بمناسبة دمج شركات الشناوي مع شركات نسيبهم الجديد. يوم الفرح.. الفندق كان ملوش مثيل، أنوار، ومعازيم من أكابر البلد. الحاجة إعتماد واقفة زي الملكة المتوجة، بتستقبل الناس والضحكة واصلة لودانها، وطارق واقف جمب عروسته الجديدة، لابس بدلة شيك بس وشه باهت ومفهوش روح. الدي جيه وقف فجأة، والنور اِتطفى في القاعة كلها.. الناس بدأت تتوشوش. اِشتغلت الشاشة الكبيرة اللي ورا العرسان، بس مكنتش بتعرض صور العريس والعروسة.. كانت بتعرض تسجيل فيديو! فيديو من كاميرات المراقبة القديمة بتاعة فيلا الشناوي.. الفيديو اللي إعتماد كانت فاكرة إنها مسحته، بس سارة كانت مأمنة نفسها ومسجلاه على فلاشة من زمان لحسابات تانية. الفيديو كان بيوضح خناقة إعتماد وسارة فوق السلم، وزق إعتماد لسارة بكل قسوة! القاعة سكتت سكوت قاتل. الصدمة لجمت الكل. أبو العروسة بص للفيديو وبص لطارق وإعتماد بذهول: "إيه القرف ده؟ إنتوا قتالين قتلا؟" في اللحظة دي، النور اِتفتح، ودخلت من باب القاعة سارة.. واقفة بكل ثقة، لابة فستان أسود بسيط بس هيبتها كانت تخوف. صرخت إعتماد برعب: "سارة!! إنتي.. إزاي؟ إنتي موتي!" سارة مشيت بخطوات ثابتة لغاية ما وصلت للمسرح، مسكت المايك وقالت بصوت قوي سمعه كل اللي في القاعة: "لأ يا حاجة إعتماد.. مموتش. ربنا أحيا الموؤودة عشان تاخد حقها وحق بنتها اللي قتلتوها. الفيديو ده مش بس اللي معايا.. معايا كمان مستندات تزوير شركات الشناوي، ودفاتر الضرائب المضروبة اللي كنت أنا المسؤولة عنها وكنت بغطي عليكم.. بس خلاص.. زمن السكوت إنتهى." طارق جيري عليها وهو بيعيط: "سارة.. أنا.." سارة بجمود: "اِخرس يا طارق.. إنت اِتهزيت ومقرتش تحمي عيلتك. إنت وأمك مكانكم السجن." صوت سارينات الشرطة بدأ يظهر برة الفندق. سارة كانت مبلّغة النيابة العامة وقدمت كل الأدلة قبل ما تيجي الفرح بساعة. دخلت قوات الشرطة القاعة، وكلبشوا إعتماد اللي كانت بتصرخ وتسب وتلعن وهي بتجرجر على الأرض، وضاعت هيبتها وجبروتها في ثواني. وطارق اِتاخد معاها بتهمة التستر والمشاركة في جرائم شركاتهم. وقفت سارة تبص عليهم وهم بيتاخدوا، خت نفس طويل لأول مرة من سنين.. حست بنسمة هوا باردة طبطبت على قلبها. بصت للسما وقالت: "نامي مرتاحة يا بنتي.. حقك رجع، واسم الشناوي بقى في المزبلة."