سر وادي الصخور مشيره محمد

مفيش حد بيرضى بواحدة أرملة ومعاها سبعة عيال.. كوم لحم.
فجأة ظهر “سيد الجبل” ودفع تلت رزم فلوس كاش.. وأخدهم كلهم على بيته المستخبي ورا صخور الجبل العالية وسط التلج والبرد.
الدلال رفع شاكوش المزاد وفي اللحظة دي إعتماد عرفت إن دقة واحدة من الشاكوش ده هتشرد عيالها :#روايات_مشيره_محمد السبعة في كل بلاد ربنا وللأبد.
برد يناير كان بيلطش في وشوش الناس بساحة القرية، وهوا الجبل بيطير الخيم، والسبع عيال ميتين من البرد ومكلبشين في جلابية أمهم الصوف المخرومة.
”فاضل تلاتين ثانية”، الست فوزية همست في ودنها.
تلاتين ثانية وتتحول لزوجة أي حد.
تلاتين ثانية عشان تحمي عيالها من التشرد.
تلاتين ثانية قبل ما قانون الملاجئ يحول (صابرين، ومصطفى، وأحمد، ومحمد، ورضا، وفاطمة، والصغير تامر) لأسماء مكتوبة في عقود ترحيل وتشغيل منفصلة.
الدلال بص على الزبائن بحسرة:
إعتماد، أرملة، اتنين وتلاتين سنة. ومعاها سبع عيال، من سن تلات سنين لحد تلاتاشر سنة!”
ضحكة سخيفة طلعت من رجالة الساحة.
واحد منهم هز راسه وقال: “سبع بقوق عايزين يتأكلوا؟! دي ميزانية دولة!”
وتاني بص لإعتماد من فوق لتحت وقال: “ودي كمان مش قد كده.. لا جمال ولا دلال”.
راجل تالت تف :#روايات_مشيره_محمد على الأرض الناشفة وقال: “هم شيلته تقيلة، سنها كبر، ومشاكلها مبتخلصش”.
إعتماد وقفت وفردت ضهرها.
دي دفنت جوزها بإيدها، واستحملت برد الشتا، وشقا المصانع، والجوع، والديانة اللي بيلفوا وراها، وعياط عيالها بالليل من الجوع. مش هي دي اللي هتنكسر قدام شوية رجالة بيعاينوا الستات كأنهم بهايم في سوق السبت!
الدلال زعق: “هنفتح المزاد بخمسة وسبعين جنيه!”
الكل سكت.. صمت رهيب.
الوقت كأنه وقف.. والعيون كلها بتبص بشماتة أو بقلة حيلة. النظرات استقرت على صابرين، الكبيرة، عندها 13 سنة بس وشها شايل هموم ست عجوزة. صابرين حطت إيدها في إيد أمها تطمنها.
ومصطفى، 11 سنة، وقف وربّع إيديه كأنه مستعد يحارب أهل البلد كلهم لو حد قرب لأمه.
أما تامر الصغير، فكان مستخبي ورا ديل جلابية إعتماد.
الدلال قال بزهق: “طب خمسين جنيه! وخلاص.. شاملة ورق التنازل ومصاريف السفر والمسؤولية القانونية عن السبعة كلهم”.
برضه مفيش نفس.
ورا الدلال كان فيه مأذون وموظفين من الحكومة معاهم دفاتر مربوطة بشريط أسود.. إعتماد كانت عارفة الدفاتر دي فيها إيه.. عقود ملجأ، تشغيل في مزارع السخرة، وقرارات تشتيت العيال.
الدلال رفع الشاكوش:
“لو مفيش أي عرض، العيال هيروحوا دار الرعاية الحكومية فوراً”.
تامر الصغير بدأ يعيط ويهمس:
“أما.. يا أما؟”
إعتماد نزلت على ركبها في الطين والبرد قرص عضمها، لمست خده وقالتله:
“اجمد يا قلب أمك.. خليك راجل”.
“لحد إمتى يا أما؟”
بغلّب في صوتها قالت: “حاجة بسيطة.. خلاص هانت”.
وقفت تاني وفردت طولها.
الدلال زعق: “شيلة أولى..”
دموع صابرين نزلت في صمت.
“شيلة تانية..”
مصطفى قفل قَبضات إيديه وعروقه ظهرت.
الشاكوش بدأ ينزل..
”أنا هاخدهم!”
الصوت جه من آخر الساحة.. صوت جهوري، خشن، يوقف الدم في العروق ويسكت الهوا.
الكل لف راسه.
راجل طول بعرض ماشي وسط الناس اللي بتوسعله بخوف. لابس عباية تقيلة من الفرو والجلد اللي اتبهدل من شقا الجبال. شعره أسود وطويل لحد كتافه، والشيب غازي جوانب راسه. دقنه الخفيفة محددة وش ناشف زي الصخر، وعينيه حادتين كأنهم طالعين من قلب شتا الجبل.
واحد من الحاضرين همس برعب:
“ده عتمان الغول..”
الهمس زاد في الساحة:
“سفاح الجبل!”
“المطاريد!”
“بيقولوا دفن تلات رجالة صاحيين ورا وادي الصخور!”
عتمان وقف قدام منصة المزاد.
الدلال بلع ريقه وبص له: “أنت فاهم إن معاها سبع عيال؟”
“السبعة كلهم”.
“طب عاينت الست؟”
عتمان بص لإعتماد..
مش بنظرة طمع، ولا نظرة استهزاء..
بص في عينيها علطول، نظرة راجل لراجل.
“مش محتاج أعاين”.
الدلال سلك زوره: “العرض الحالي خمسين جنيه”.
“تلت تلاف جنيه!”
الصدمة لجمت الساحة كلها.. الست فوزية وقعت الورق من إيدها.
تلت تلاف جنيه في الوقت ده تشتري أراضي، ومواشي، وتأمن خزين سنين. مبلغ إعتماد مشفتهوش في أحلامها.
الدلال فاق من صدمته وبسرعة دقع بالشاكوش:
“مباع!”
دقة الشاكوش رنت في المكان، وإعتماد حست إن روحها ردت فيها.
عتمان طلع درجات المنصة ووقف قدامها:
“يا ست إعتماد”.
رفعت راسها بكرامة: “يا سي عتمان”.
“عارفة أنا عارض إيه؟”
“عقد جواز.. لقمة وأمان قصاد خدمة البيت”.
“بيتي في آخر الجبل.. المشوار يومين شمال، والشتا هناك مبيشفقش على حد.. والكل بيشتغل”.
“عيالي شبعوا شقا وبيعرفوا يشتغلوا”.
“أنا مَبمدش إيدي على ست ولا عيل”.
إعتماد دسته بنظراتها:
“ده وعد غريب وتقيل قبل ما أنا أسألك حتى”.
“ده أول سؤال كان المفروض تدوري عليه”.
الكلام ده قلقها أكتر ما طمنها..
“وعايز مني إيه بالظبط؟”
“بيت يتوضب.. خزين يتلم ويدبر.. عيال تتربى وتتعلم.. ولقمة تِطبخ لما نرجع من الشقا”.
“وطيب.. كزوجة؟”
وشه نشف وملامحه جمدت:
“ولا حاجة.. غير اللي تختاريه بمزاجك”.
ولأول مرة طول اليوم ده، عين إعتماد دمعت وكان هيهون عليها تعيط، بس جمدت وهزت راسها:
“أنا موافقة”.:#روايات_مشيره_محمد
في خلال ساعة، كانت عربية عتمان الكبيرة بتتحرك وبتسيب القرية وراها. البيوت صغرت وراهم والطريق بدأ يِضيق ويطلع لفوق ناحية الجبال المكسية بالبياض.
عتمان ماقعدش جنب إعتماد، كان ماشي على رجليه يسوق الخيل بكل هدوء. شال العيال الصغيرين بإيديه حطهم في العربية، ولفهم ببطاطين صوف دافية، وشيك على عجل العربية مرتين قبل ما يتحركوا.
لمسافة طويلة، مفيش مخلوق نطق بكلمة.
فجأة، مصطفى نادى من ورا العربية: “هو أنت بجد قت*لت تلات رجالة؟”
إعتماد لفت له بزجر: “مصطفى! بس!”
عتمان مَلفش، فضل باصص قدامه وقال بصوت هادي:
“خمسة”.
العيال كلهم اتسمروا مكانهم من الرعب.
عتمان بص وراه بطرف عينه:
“تلاتة ماتوا في الحرب.. والاتنين التانيين حاولوا يق*تلوني بعد ما خلصت”.
أحمد سأله: “ليه؟”
“عشان افتكروا إني شايل معايا حاجة غالية”.
صابرين سألت بصوت واطي: “وكان معاك؟”
عتمان بص للطريق تاني وقال:
“آه.. كان معايا”.
وهنا الأسئلة خلصت.
الليل ليل عليهم، فنزلو تحت شجر سرو عالي. عتمان ولع نار، وقسم عليهم لحمة ناشفة وعيش ناشف، وعطا إعتماد غطاها وفرشتها تنام، وهو قعد ساند ضهره على شجرة، وبندقيته محطوطة على ركابه وعينيه صاحية.
إعتماد صحيت قبل الفجر، لقت نفس القعدة وعينيه مفتوحة في الضلمة.
“أنت منمتش؟”
“نومي خفيف”.
“عشان الرجالة اللي قت*لتهم؟”
“عشان الرجالة اللي لسه عايشين”.
فجأة، غصن شجرة اتكسر في الضلمة..
عتمان وقف في ثانية، وبندقيته معمرة وجاهزة في إيده.
العيال صحيوا وملمومين. إعتماد حست برعشة خوف في ضهرها.
عتمان استمع كويس للهوا.. وبعدين نزل الس*لاح.
“غزال”.
“متأكد؟”
“لأ”.
وفضل مراقب الشجر لحد ما الشمس طلعت.
في اليوم التاني، الطريق ضاق وبقى مدق جبلي وعر والثلج زاد. عجل العربية غرز مرتين، وعتمان كان بيشدها بنفسه وبحباله، ومصطفى والعيال الكبار بيساعدوه ويزقوا معاه.
على المغرب، الغابة فتحت على وادي واسع.
إعتماد كانت متوقعة تلاقي كوخ مهدود.. بس اللي شافته صدمها!