الحقيقه العاريه لمشيره محمد

لمحة نيوز

​”بشمهندس عادل.. أنت كنت عارف؟ كنت عارف إن كريم شغال في القرف ده؟”
​عادل اتنهد تنهيدة طويلة، وقعد على مكتبه وحط راسه بين إيديه:
​”يا منة يا بنتي.. كريم الله يرحمه كان أنظف من كده بكتير.. هو دخل السكة دي بغباء منه وبسبب ديون قديمة وضغط من أختك شيرين اللي كانت بتستغله.. ولما جه حكى لي من شهرين، قولتله لازم تبلغ الشرطة وتعمل قفل لحساباتك.. بس هو كان خايف عليكي.. كان بيقول لي ‘شيرين مجنونة ومستعدة تحرق الدنيا عشان الفلوس’.. الملف ده هو سابه عندي وقالي: ‘لو جرا لي حاجةروايات مشيره محمد يا عادل، سلم ده لمنة بنفسك.. بلاش الشرطة تاخده الأول عشان منة تفهم الحقيقة وتقدر تحمي نفسها والعيال’.”
​مسكت الصور اللي جوه الظرف.. كانت صور لكريم وهو قاعد في مطعم مع ناس أشكالهم مش مريحة، وصور تانية لشيرين أختي وهي بتستلم شنطة سوداء من نفس الراجل اللي مع كريم! وكشوفات الحساب البنكي كانت باسم شيرين، وفيها تحويلات بملايين الجنيهات من حسابات بره مصر!
​قلبي كان بيتعصر.. أختي؟ شيرين اللي كانت بتنام في حضني وأنا عيانة؟ اللي كانت ماسكالي المنديل في العزا وبتبكي وكأنها فقدت أخوها؟
​قلت لعادل وعيني فيها شرار:
​”أنا لازم أودّي الحاجات دي للنيابة حالا.. كريم مات مقتول.. هما اللي لعبوا في العربية!”
​عادل وقف بسرعة ومسك إيدي:
​”منة، اهدى! شيرين مش لوحدها.. الناس اللي معاها واصلين ومجانين.. لو حسوا إنك عرفتي حاجة، أنتي وعيالك هتبقوا في خطر.. الورق ده لازم يتسلم لشخص معين في مباحث الأموال العامة والمخابرات.. شخص كريم كان بيكلمه قبل ما يموت.. أنا هرتب لك المقابلة دي، بس دلوقتي.. لازم ترجعي بيتك وكأن مفيش أي حاجة حصلت.. فاهمة؟ ولا كلمة لشيرين!”
​رجعت البيت.. الطريق كله كنت شاردة، بسوق وأنا مش شايفة قدامي.. دموعي اللي مكنتش بتنزل بقالها شهر، نزلت زي السيول.. بس المرة دي مكنتش دموع حزن.. كانت دموع قهر، وغدر، ورغبة في الانتقام.
​أول ما فتحت باب الشقة، شميت ريحة أكل..
لقيت شيرين واقفة في المطبخ، لابسة مريلة الطبخ وبتقلب الحلة، ولادي قاعدين في الصالة بيلعبوا. أول ما شافتني، ابتسمت بوشها “الملائكي” المزيف وقالت:
​”حمداً لله على السلامة يا منمن.. كنتي فين كل ده؟ أنا قولت أجي أعمل للعيال لقمة ياكلوها، وأقعد معاكي شوية بدل قعدتك لوحدك دي.”
​كنت عايزة أجيب السكينة اللي في إيدها وأغرسها في قلبها.. كنت عايزة أصرخ في وشها وأقولها: “أنتي اللي قتلتيه!”.. بس افتكرت كلام عادل.. ولادي.. لازم أحمي ولادي الأول.
​بلعت ريقي وحاولت أرسم ابتسامة باهتة:
​”الله يسلمك يا شيرين.. كنت.. كنت بخلص شوية أوراق في المعاشات وتأمين كريم.. تعبت أوي.”
​حطت إيدها على كتفي بطريقة حنينة.. الحركة دي خلت جسمي يقشعر من القرف:
​”يا حبيبتي يا منة.. معلش، ربنا يقويكي.. كريم كان غالي علينا كلنا.. بس قوليلي، خلصتي الأوراق كلها؟ ولا لسه في ورق روايات مشيره محمد في مكتبه في الشركة محتاجة تجيبيه؟”
​في اللحظة دي.. فهمت!
شيرين مش جاية تطبخ ولا جاية تواسيني.. شيرين بتدور على “الملف”.. هي عارفة إن كريم كان معاه دليل ضدها، وبتلف وتدور عشان تعرف مكانه!
​بصيت في عينها مباشرة وقلت ببرود مرعب:
​”المكتب؟ لاء.. البشمهندس عادل قالي إن الشرطة فتشت المكتب وقت الحادثة ومبقاش فيه أي حاجة تخص كريم هناك.. كله اتمسح.”
​لمحت في عينها لمعة ارتياح سريعة، ملامحها هديت وكأن جبل انشال من على صدرها.. وقالت:
​”أحسن برضه.. عشان ترتاحي من السيرة دي.. يلا ادخلي غيري هدومك عبال ما أحط الأكل.”
​عدى يومين.. وفي روايات مشيره محمد اليوم الثالث، جالي تليفون من البشمهندس عادل:
​”جاهزة يا منة؟ المقابلة النهاردة الساعة 10 بالليل في مكتب اللواء رأفت في وزارة الداخلية.. أنا كلمته وحكيت له كل حاجة، وهو مستنينا بالملف.”
​قلت له بثبات:
​”جاهزة يا بشمهندس.. أنا هجيب العيال وأسيبهم عند حماتي، وأجيلك علطول.”
​نزلت ووديت العيال، وأنا راجعة في الطريق عشان أقابل عادل، لقيت شيرين بتتصل بيا.. مبردتش.. اتصلت تاني وتالت.. وفي المرة الرابعة فتحت الخط:
​”إيه يا شيرين في إيه؟”
​صوت شيرين مكنش هو الصوت الحنين اللي متعودة عليه.. كان صوت حاد، ناشف، ومليان غل:
​”أنتي فين يا منة؟”
​”أنا ورايا مشوار وبخلصه.. في حاجة؟”
​”وراك مشوار مع عادل؟ ورايحة تقابلي اللواء رأفت؟”
​دمي اتجمد في عروقي.. فرملت العربية على جنب الطريق وقلت برعب:
​”أنتي بتقولي إيه؟ وأنتي عرفتي منين؟”
​شيرين ضحكت ضحكة باردة ومستفزة:
​”منة.. أنتي فاكراني غبية؟ أنا مراقباكي من يوم ما روحتي شركة كريم.. وعادل ده تليفونه متراقب.. أنتي فاكرة نفسك هتلعبي مع الكبار؟ كريم افتكر نفسه بطل وضاع في ثانية.. لو خايفة على عيالك.. لفي وارجعي.. وتعاليلي على روايات مشيره محمد البيت القديم بتاع بابا الله يرحمه.. ومعاكي الظرف.. لو روحتي للشرطة، مش هتلحقي تشوفي عيالك تاني!”
​”العيال عند جدتهم! أنتي مش هتعرفي تو صليلهم!” صرخت فيها بهستيريا.
​”جدتهم غلبانة يا منة.. وناسنا واقفين تحت البيت هناك.. تليفون واحد مني، والعيال هيبقوا في مكان تاني خالص.. قدامك نص ساعة.. الظرف يجيلي البيت القديم.. لو لوحدك، عيالك هيرجعوا لك.. لو بلغتي حد.. اقري عليهم الفاتحة.”
​الخط قطع.
​قعدت في العربية بصرخ وبخبط على الدريكسيون.. كنت حاسة بالعجز.. أختي بتهددني بضنايا!
اتصلت بعادل وحكيت له وأنا بنهار.. عادل قالي: “منة.. متخافيش.. اللواء رأفت سامعنا دلوقتي.. هما هيتحركوا فوراً على بيت حماتك يحموا العيال.. وأنتي روحي لشيرين زي ما هي عايزة.. بس إحنا هنكون وراكي.. مش هنسيبك.”
​وصلت البيت القديم.. بيت أبويا اللي عشنا فيه طفولتنا.. المكان اللي المفروض يكون أمان، بقا هو الوكر اللي مستنياني فيه الأفعى.
​فتحت الباب ودخلت.. المكان كان ضلمة وهس هس..
شيرين كانت قاعدة على كرسي في الصالة، وفي إيدها سيجارة.. ولأول مرة أشوف وشها الحقيقي.. وش خالي من أي رحمة.
​وقفت وقالت: “جبتي الظرف؟”
​طلعت الظرف من شنطتي ورفعته في الإيد:
​”الظرف أهو يا شيرين.. بس قوليلي الأول.. ليه؟ كريم عملك إيه؟ ده كان بيعتبرك أخته.. كان بيساعدك.. ليه قتلتيه؟”
​شيرين قربت مني وعينها مبرقة:
​”كريم كان طماع وخايف! دخل معايا السكة ولما شاف الملايين، ركبه خبطت في بعضها.. قالي ‘أنا عندي عيال وعايز أعيش حلال’.. حلال إيه يا أم حلال! إحنا كنا هنبقى في حتة تانية خالص.. ولما هددني إنه هيبلغ.. كان لازم يختفي.. الحادثة كانت نظيفة أوي صح؟ الكاوتش الممسوح والملف الخطر.. هههههه، لعبة متخرش المية.”
​”أنتي مش بني آدمة.. أنتي شيطان! ده جوز أختك.. وأبو ولاد أختك!”
​”الفلوس مابتتعرفش حد يا منة.. هاتي الظرف بقا وبطلي رغي.”
​رميت الظرف على التربيزة.. شيرين جريت عليه وفتحته بلهفة.. بس أول ما فتحته، ملقتش الصور ولا الحسابات.. لقت ورق أبيض فاضي!
​بصتلي بصدمة وغل:
​”أنتي بتغفليني يا منة؟ فين الورق الحقيقي؟”
​في اللحظة دي.. باب الشقة اتكسر.. ودخلت قوات الشرطة والعمليات الخاصة.. ومعاهم اللواء رأفت والبشمهندس عادل.
​شيرين اتجمدت في مكانها.. السجائر وقعت من إيدها.. والظباط حاصروها وكلبشوا إيديها.
​اللواء رأفت قرب مني وقال:
​”الله ينور يا مدام منة.. اعترافها كامل اتسجل بالصوت والصورة من المايك اللي البشمهندس عادل ادهولك قبل ما تدخلي.. والعيال في أمان ومفيش مخلوق قدر يقرب منهم.”
​بصيت لشيرين وهي بتتجرجر والكلبشات في إيدها.. كانت بتبصلي بغل وتصرخ: “مش هسيبك يا منة! هقتلك!”.. بس أنا مكنتش سامعاها.. كنت شايفة روح كريم وهي بترتاح أخيرًا.
​بعد شهور من القضية.. شيرين والعصابة خدوا أحكام مشددة بالإعدام والمؤبد..
وأنا رجعت لبيتي.. ولادي في حضني.
​في ليلة ممطرة تانية.. وقفت في البلكونة وبصيت للسما.. وقلت في سري:
“نام ارتاح يا كريم.. حقك رجع.. وولادنا في عنيا لحد آخر يوم في عمري.”
تمت.. مشيره محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *