الطفله حصري روايات رولا

عندما كنت في الثامنة من عمري، تطلق والداي. أخذت أمي أخي الأصغر، وأخذ أبي أختي الصغرى، بينما تُرِكت أنا خلفهم في دار للأيتام. قالوا لي والدموع في أعينهم: “أنت الأخ الأكبر. يجب أن تضحي حتى يحصل إخوتك على حياة كريمة. نعدك بأننا سنعود”… لكنهم لم يعودوا أبداً. بعد أربعة وعشرين عاماً، بنيت إمبراطوريتي الخاصة بمفردي. وفي أحد الصباحات، ظل هاتف مكتبي يرن لخمس دقائق، ثم عشر دقائق، ثم ثلاثين دقيقة، وبدأ موظفيّ يشعرون بالذعر.
قالت أمي قبل أن تدفع حقيبتي نحو قدميّ: “نحن نتركك هنا لأن إخوتك لديهم مستقبل”.
كنت في الثامنة من عمري، واجفاً أمام الباب الرمادي لدار أيتام في “تولوكا”، حذائي مبتل من المطر، ويداي ممتلئتان بالقوة لكي لا أبكي.
لم يستطع والدي، ألفارو ميندوزا، أن ينظر في عيني. كنت أحمل أختي الصغيرة لوسيا بين ذراعيّ، ملفوفة ببطانية صفراء. وكانت أمي، باتريشيا، تمسك بأخي الأصغر ماثيو، الذي لم يفهم لِمَ لمْ أركب السيارة معهم.
قالت وهي تجفف دموعاً لم تكن كافية لإنقاذي: “الطلاق تركنا بلا مال يا بني. أنت الأكبر، وعليك أن تساعدنا. عندما تهدأ الأمور، سنعود من أجلك”.
انحنى والدي ووضع يده على كتفي قائلاً: “أثبت نفسك يا رجلي الصغير. لوسيا صغيرة جداً وماثيو لن يتحمل مكاناً كهذا”.
أومأت برأسي، لأن المرء في ذلك العمر يظن أن التضحية هي السبيل لتكون محبوباً.
لسنوات طويلة، كنت أنتظر كل يوم أحد عند مدخل دار الرعاية “كازا هوغار سانتا كلارا”. كنت أستحم مبكراً، وأسرح شعري بالماء، وأجلس عند البوابة الحديدية متطلعاً إلى الشارع. وكلما توقف صوت محرك سيارة، كنت أنتفض واقفاً وقلبي يتسارع.
لكنهم لم يكونوا هم أبداً.
ولا حتى في يوم عيد الميلاد. ولا في عيد ميلادي. ولا حتى عندما كُسرت ذراعي وأنا ألعب كرة القدم في الفناء. وبينما كان ماثيو ينشأ في “غوادالاخارا” بملابس مدرسية فاخرة، وتظهر لوسيا في الصور العائلية في “أكابولكو”، تعلمت أنا كيف أكنس غرف المعيشة، وكيف أنام جائعاً، وأن أدرك أن هناك آباء لا يتخلون عن أبنائهم بدافع الحاجة، بل بدافع المصلحة والراحة.
في الثامنة عشرة من عمري، خرجت من الدار حاملاً حقيبة بلاستيكية سوداء واسماً عائلياً لم أعد أرغب في حمله. توقفت عن كوني “سانتياغو ميندوزا” وبدأت أوقع باسم “سانتياغو أرياغا”، وهو اسم عائلة مقدم رعاية علمني ألا أكره نفسي.
عملت في غسيل السيارات، ودرست إدارة الأعمال ليلاً، ثم تخصصت في شراء الشركات المفلسة. وحيثما رأى الآخرون حطاماً، كنت أجد حسابات مخفية بذكاء.
بعد أربعة وعشرين عاماً، ظهر اسمي على غلاف مجلة اقتصادية شهيرة:
”سانتياغو أرياغا، الرجل الذي أنشأ مجموعة مالية من الصفر”.
كان مكتبي في منطقة “سانتا في”، في مبنى تصعد مصاعده أسرع من الوقت الذي استغرقته عائلتي لتنساني.
رن هاتف الاستقبال لخمس دقائق ذلك الصباح. ثم خمس عشرة دقيقة. ثم ما يقارب نصف ساعة كاملة.
دخلت مساعدتي وهي متوترة وقالت: “السيد أرياغا، هناك عائلة في الأسفل. يقول الرجل إنه والدك، ويطالب برؤيتك. يقول إن بينكما دَين دم”.
نظرت إلى الملف القديم الذي احتفظت به في درجي لسنوات.
في استمارة الدخول، حيث كان من المفترض أن يُكتب “دعم مؤقت”، كتب والدي جملة حددت مجرى حياتي:
”ابن مُعفى من العبء الاقتصادي”.
تنفسّت بعمق وقلت: “دَعيهم يصعدون”.
لم أكن أصدق ما كان على وشك الحدوث…