الطوارئ مشيره محمد

. طلع الشغل والشركة كذبة، طلع عايش حياة تانية في خفاء من ورايا، مراهنات وديون وعنف.
بعد نص ساعة، جه مأمور الضبط من قسم الشرطة ومعاه ظابط مباحث. قعدوا معايا في الصالة. كنت بحكي وأنا جسمي كله بيموت من الرعب والكسوف من نفسي. حكيت لهم عن التلات أيام اللي فاتوا، عن رفضه نجيب دكتور، عن الفلوس اللي كنت بشيلها خفية، وعن كلام مريم قبل ما تدخل العمليات.
الظابط بصلي بهدوء وقال: “يا مدام، الموبايل بتاع البنت الدكتور سلمهولنا.. الملاحظات الصوتية اللي عليه فيها تسجيلات واضحة وصريحة وصوت محمود وهو بيهددها وبيضربها، وفيها اعتراف منه بإنه بيسحب فلوس من وراكي.. بنتك كانت أذكى وأشجع منك، كانت بتوثق كل حاجة عشان تحمي نفسها وتثبت حقيقته لما يجي الوقت”.
الجملة دي هزتني من الجوا. بنتي ذات الـ15 سنة كانت بتحارب لوحدها في الخفاء، وأنا الكبيرة الراشدة كنت غميت عيني عن الحقيقة عشان خايفة من المواجهة!
عدت ساعتين كأنهم سنتين. خرج الدكتور من أوضة العمليات، وهو بينزع الكمامة عن وشه. جريت عليه: “خير يا دكتور؟ مريم عاملة إيه؟”.
ابتسم الدكتور ابتسامة هادية وقال: “الحمد لله، لحقناها في آخر لحظة.. الزايدة كانت ملتهبة جداً وعلى وشك الانفجار، بس العملية تمت بنجاح، وقمنا بتنظيف التجمع الدموي والانسجة.. هي دلوقتي في غرفة الإفاقة وخلال ساعة هتنقل لغرفة عادية.. وتقارير الطب الشرعي بالنسبة للكدمات اتكتبت وأرفقت مع ملف القضية”.
وقع جسمي على الكرسي وأنا بتنفس لأول مرة من تلات أيام. دموع الارتياح اختلطت بدموع الندم.
بعد ساعتين، كانت مريم في الأوضة، المحاليل متوصلة بأيديها، ووشها بدأ يرجع له شوية لون بعد ما كان أصفر زي الليمونة. قعدت جنبها ومسكت إيدها.
فتحت عينيها بالراحة وبصتلي: “ماما.. بابا فين؟”.
قلت لها بثبات لأول مرة في حياتي: “بابا في المقر الصحيح ليه يا مريم.. في القسم، والبوليس قبض عليه، ومش هيقدر يقرب منك ولا مني تاني أبداً.. الحق خد مجراه، وأنا معاكي ومش هسيبك تاني لحظة واحدة”.
مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وغمضت عينيها براحة كأنها أول مرة تنام من غير خوف.
النيابة استدعتني تاني يوم عشان أقول أقوالي الرسمية. محمود كان قاعد في الكلبشات، وشه أسود ومعفر، كبر عشر سنين في ليلة واحدة. لما شافني، حاول يبصلي بنظرة التهديد القديمة وقال بصوت واطي: “أنتِ هتخربي بيتك بيدك؟