بقلم محمد عبده

تبرد.
تذكرت أول مرة قابلت فيها ياسر.
الاهتمام.
الكلمات الجميلة.
إصراره على الزواج.
كنت أظن أنه أحبني.
لكن الآن…
بدأت كل التفاصيل القديمة تأخذ معنى مختلفًا.
قلت
كيف عرف؟
من خلال شخص داخل مجلس الإدارة.
نظرت إلى كمال.
كان وجهه قد تغير.
سألته
هل تعرف من هو؟
أجاب
لدينا شكوك.
من؟
أخرج كمال ملفًا ووضعه أمامي.
فتحت الصفحة الأولى.
كان هناك اسم.
ثم عنوان.
ثم سلسلة من الاجتماعات السرية.
وقبل أن أقرأ بقية التقرير، وصلني إشعار على هاتفي.
رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة
إذا كنتِ تريدين معرفة الحقيقة كاملة عن زواجك من ياسر، فلا تثقي بكمال.
رفعت عيني إليه ببطء.
ولأول مرة منذ بدأت هذه الليلة…
بدأ الشك يتسلل إلى قلبي تجاه الرجل الوحيد الذي وقف إلى جانبي.
كمال لاحظ تغير وجهي.
قال
ماذا حدث؟
لم أجب.
أغلقت الهاتف.
ثم قلت بهدوء
لا شيء.
لكنني كنت أعرف أن شيئًا حدث بالفعل.
لأن اللعبة التي ظننت أنني فهمتها…
كانت أكبر بكثير مما توقعت.
وكان هناك شخص آخر خلف كل ما حدث.
شخص يعرف أسراري.
ويعرف عائلتي.
ويعرف كمال.
والأخطر…
أنه كان يعرفني منذ البداية.
ظللت أحدق في كمال دون أن أُظهر له ما يدور في رأسي.
كنت أريد أن أعرف من أرسل الرسالة.
لكنني تعلمت خلال السنوات الماضية أن أخطر الأخطاء هي أن تكشف ما تعرفه قبل أن تعرف ما يعرفه الطرف الآخر.
قلت بهدوء
كمال، هل تستطيع أن تتركني وحدي قليلًا؟
نظر إليّ باستغراب.
بالطبع.
خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.
انتظرت عدة ثوانٍ، ثم أرسلت رسالة إلى رقم مجهول.
من أنت؟
لم يصل الرد فورًا.
وبعد دقيقة، ظهر إشعار جديد.
شخص حاول تحذيرك قبل أن تكتشفي الحقيقة، لكنك لم تستمعي.
كتبت
أعطني دليلًا.
وصلت صورة.
فتحتها.
كانت صورة قديمة لياسر وسامي ونوال وهم يجلسون في مطعم فاخر.
لكنها لم تكن المشكلة.
المشكلة كانت الرجل الرابع الجالس معهم.
عرفته فورًا.
كان فؤاد الشامي، أحد أعضاء مجلس إدارة شركتي.
الرجل الذي كنت أعتبره مستشارًا موثوقًا لعائلتي منذ سنوات.
ثم وصلت رسالة أخرى
هذا الاجتماع حدث قبل زواجك بثلاثة أشهر.
شعرت بقلبي يهبط.
ثلاثة أشهر قبل زواجي.
يعني أن زواجي من ياسر لم يكن صدفة.
كان مخططًا له.
اتصلت بكمال.
دخل الغرفة بسرعة.
هل أنت بخير؟
رفعت الهاتف أمامه.
من هذا الرجل؟
نظر إلى الصورة.
تغير وجهه.
من أين حصلتِ عليها؟
أجبني.
جلس على الكرسي.
فؤاد الشامي.
أعرف اسمه. أريد أن أعرف ماذا كان يفعل مع ياسر وسامي ونوال.
صمت طويلًا.
قلت
كمال.
رفع عينيه.
كان هناك اجتماع بالفعل.
عن ماذا؟
عن مستقبلك.
شعرت بالغضب يصعد في داخلي.
مستقبلي؟
كانوا يعرفون أن والدك ترك لكِ السيطرة على الشركة.
وكيف عرفوا؟
قال
لأن فؤاد كان موجودًا وقت توقيع بعض الوثائق.
أغلقت عيني.
كنت أعتقد أن والدي ترك لي الشركة لأنني ابنته الوحيدة.
لكنني لم أتخيل يومًا أن أشخاصًا آخرين كانوا يخططون لاستغلال الأمر.
سألت
وماذا كان دور كمال؟
نظر إليّ مباشرة.
كنت أعمل مع والدك قبل وفاته.
وهل كنت تعرف عن الخطة؟
كنت أعرف أن هناك أشخاصًا يريدون الاقتراب منك.
لكن هل كنت تعرف أن ياسر تزوجني من أجل الشركة؟
صمت.
وكان صمته إجابة كافية.
شعرت بالدموع تملأ عيني.
ليس لأنني أحببت ياسر بعد الآن.
بل لأنني أدركت أن كل اللحظات التي اعتبرتها حقيقية ربما كانت مجرد تمثيل.
أول لقاء.
أول هدية.
أول مرة قال لي فيها إنه لا يستطيع العيش من دوني.
كل شيء كان محسوبًا.
قلت
لماذا لم تخبرني؟
قال كمال
لأن والدك طلب مني أن أحميك دون أن أجعلك تشعرين أنك تحت المراقبة.
وأين كانت حمايتك عندما استغلوني؟
لم يجب.
في تلك اللحظة، رن هاتفي.
كان رقمًا مجهولًا.
أجبت.
جاء صوت رجل هادئ
السيدة ليان، لا تثقي بأي شخص يخبرك أنه يحميك.
قلت
من أنت؟
الشخص الذي يستطيع إثبات كل شيء.
ماذا تريد؟
أريد أن أمنحك فرصة لاستعادة ما سُرق منك.
أين أنت؟
غدًا، الساعة التاسعة صباحًا، في مكتب قديم تابع لشركتك في الإسكندرية.
ثم أغلق الخط.
نظرت إلى كمال.
هل تعرف هذا المكان؟
قال
نعم.
إذن سنذهب.
هز رأسه.
لن تذهبي وحدك.
قلت بحزم
أنا لم أقل إنني سأذهب وحدي.
في صباح اليوم التالي، خرجت من المستشفى بعد أن أكد الطبيب أن حالتي مستقرة.
كنت لا أزال متعبة، لكنني كنت مصممة على معرفة الحقيقة.
سافرنا إلى الإسكندرية.
وصلنا إلى المبنى القديم قبل التاسعة بدقائق.
كان المكان مهجورًا تقريبًا.
دخلنا الطابق الثالث.
وجدنا بابًا مفتوحًا.
على المكتب كان هناك صندوق أسود.
وفوقه ورقة تحمل اسمي.
فتحت الصندوق.
كان بداخله ملف.
صور.
عقود.
تسجيلات.
وحسابات بنكية.
لكن الشيء الذي جعل يدي ترتجف كان ظرفًا أبيض.
فتحت الظرف.
وجدت بداخله نسخة من عقد زواجي.
لكنها لم تكن النسخة التي أعرفها.
كان هناك بند مخفي في الصفحة الأخيرة.
قرأت السطر مرتين.
ثم شعرت بأن أنفاسي توقفت.
كان ياسر قد وقع على اتفاق سري قبل الزواج.
وبموجب هذا الاتفاق، كان سيحصل على نسبة من أصول الشركة إذا نجح في إقناعي بنقل بعض صلاحياتي إليه.
لكن الاتفاق لم يكن أخطر ما في الملف.
في الصفحة التالية ظهر اسم آخر.
نوال.
كانت قد وقعت على الاتفاق أيضًا.
ثم جاء الجزء الذي لم أكن مستعدة لرؤيته.
اسم ثالث.
اسم الشخص الذي دفع لهم المال لبدء الخطة.
رفعت عيني إلى كمال.
وقلت بصوت مرتجف
هذا الشخص… مات منذ خمس سنوات.
نظر كمال إلى الورقة.
ثم قال
إذن هناك شخص آخر كان يستخدم اسمه.
وفجأة سمعنا صوت باب يُغلق خلفنا.
استدرنا معًا.
كان هناك شخص يقف عند نهاية الممر.
وعندما أضاءت الإضاءة وجهه…
عرفته فورًا.
كان فؤاد الشامي.
الرجل الذي ظننته مجرد عضو سابق في مجلس الإدارة.
ابتسم وقال
أخيرًا عرفتِ الحقيقة يا ليان.
ثم نظر إلى بطني.
وأضاف
لكن هناك حقيقة أخطر بكثير لم تعرفيها بعد.
تقدمت خطوة.
ما هي؟
ابتسم.
طفلك ليس السبب الوحيد الذي يجعلني أخشى أن تستعيدي شركتك.
ثم أضاف
لأن والدك ترك لكِ شيئًا آخر… شيئًا يمكنه أن يسقطني أنا وكل من شارك في هذه الخطة.
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن القضية لم تكن مجرد أموال.
كانت هناك وصية سرية.
وكانت تلك الوصية هي المفتاح الذي يمكن أن يقلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
لم أتحرك.
ظللت أحدق في فؤاد وأنا أحاول استيعاب كلماته.
وصية؟
ابتسم بثقة.
والدك لم يترك لكِ الشركة فقط.
تدخل كمال
فؤاد، انتهى الأمر. اترك الملف.
ضحك فؤاد.
بل بدأ للتو.
ثم نظر إليّ.
والدك كان يعرف أن بعض الأشخاص حوله لا يمكن الوثوق بهم. لذلك أخفى جزءًا من ممتلكاته داخل مؤسسة مستقلة، ووضع شرطًا واحدًا في الوصية.
قلت
ما هو؟
اقترب خطوة.
أن تظل الشركة تحت سيطرتك حتى يبلغ طفلك سن الرشد.
وضعت يدي على بطني.
وماذا يعني ذلك؟
يعني أن أي شخص يحاول إجبارك على نقل ملكية الشركة أو أصولها قبل ولادة الطفل، يمكن أن يفقد كل شيء.
نظرت إلى كمال.
هل هذا صحيح؟
أومأ.
نعم.
شعرت لأول مرة أن الصورة بدأت تكتمل.
ياسر لم يكن يريد الزواج مني فقط.
كان يريد الوصول إلى الشركة.
نوال كانت تعرف.
سامي ساعدهم.
وفؤاد كان العقل الذي يقف خلفهم.
لكن شيئًا لم يكن منطقيًا.
قلت
إذا كانت الوصية تحميني، فلماذا كنتم تحاولون الوصول إلى الشركة طوال هذه السنوات؟
أجاب فؤاد
لأننا كنا نعتقد أن بإمكاننا إقناعك بالتنازل طوعًا.
ولماذا الآن؟
تغيرت ابتسامته.
لأن الوقت ينفد.
فهمت ما يقصده.
ولادتي تقترب.
وبعد ولادة طفلي، ستصبح حماية الوصية أكثر تعقيدًا.
لكنني لم أعد المرأة التي يمكن خداعها بسهولة.
قلت
أنت مخطئ.
رفع حاجبه.
في ماذا؟
أنت تعتقد أنني ما زلت لا أفهم ما يحدث.
أخرجت هاتفي.
لكنني منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى هذا المبنى، كنت أسجل كل كلمة قلتها.
تجمد وجهه.
أما كمال، فابتسم لأول مرة.
قلت
كنت أحتاج فقط أن تعترف بنفسك.
تراجع فؤاد خطوة.
هذا التسجيل لن يثبت شيئًا.
أجبته
ربما لا يكفي وحده.
ثم رفعت ملفًا آخر.
لكن التحويلات البنكية، والعقود، والصور، وتوقيعاتكم… كلها موجودة هنا.
ساد الصمت.
ثم سمعنا صوت سيارات في الخارج.
نظر فؤاد نحو النافذة.
كانت عدة سيارات تتوقف أمام المبنى.
قال كمال
لقد وصلوا.
صرخ فؤاد
من؟
أجبته
المحققون.
اتسعت عيناه.
كيف؟
أرسلت لهم الملفات قبل أن أصل إلى هنا.
لم يحاول الهرب.
جلس على أقرب كرسي وكأن جسده فقد قوته.
بعد دقائق، دخل المحققون وأخذوا الملف.
لكن قبل أن يخرج فؤاد، التفت إليّ.
أنت لا تعرفين كل شيء.
قلت
سأعرف.
قال
اسألي أخاك عن الليلة التي مات فيها والدك.
تجمدت.
توقف قلبي للحظة.
ماذا قلت؟
نظر إلى كمال، ثم إليّ.
والدك لم يمت بالطريقة