بقلم محمد عبده

ظل الصمت مسيطرًا على القاعة لعدة ثوانٍ.
لم يتحرك أحد.
حتى الموسيقى التي كانت تُعزف في الخلفية توقفت، وكأن الجميع أدرك في اللحظة نفسها أن شيئًا أكبر بكثير من مجرد خلاف عائلي كان يحدث أمام أعينهم.
كان ياسر أول من تكلم.
هذا مستحيل.
نظر إلى كمال، ثم إليّ.
ليان ليست مالكة لأي شركة.
ابتسم كمال ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن تحمل أي سخرية.
أنت متأكد؟
اقترب ياسر منه.
أعرف زوجتي السابقة جيدًا.
قاطعه كمال
كنت تعرف المرأة التي كانت تظهر أمامك فقط.
ثم أخرج هاتفه وفتح ملفًا على الشاشة.
أما المرأة التي لم تكن تعرف عنها شيئًا… فهي صاحبة الحصة المسيطرة في مجموعة الندى للاستثمارات.
شهقت نوال.
مجموعة الندى؟
هذه المرة لم أجب.
كان اسم الشركة معروفًا في دوائر المال والأعمال في القاهرة والإسكندرية وعدة مدن أخرى.
لكن خلال زواجي من ياسر، تعمدت ألا أظهر في الصورة.
كنت أريد أن أعرف من يحبني لشخصي، ومن يحترمني فقط بسبب ما أملك.
والآن…
كنت أعرف الإجابة.
قالت نوال وهي تحاول استعادة تماسكها
لكن هذا غير منطقي. ليان لم تكن تملك حتى ثمن السيارة التي كانت تستخدمها.
نظرت إليها بهدوء.
السيارة كانت باسمكِ يا نوال.
توقفت.
تابعت
أنتِ طلبتِ من ياسر أن يشتريها من أموال الشركة حتى تظلي مقتنعة بأنني لا أملك شيئًا.
احمر وجهها.
أنتِ تكذبين.
رفع كمال هاتفه.
لدينا سجلات كاملة.
ثم نظر إلى ياسر.
ولدينا أيضًا سجلات التحويلات المالية التي تمت من حسابات الشركة إلى حسابات شركتك الاستثمارية.
تراجع ياسر خطوة.
هذه كانت استثمارات مشروعة.
صحيح.
أجابه كمال.
ولهذا السبب لم نتحدث عنها حتى الآن.
ثم نظر إليّ.
لكن بعد ما حدث الليلة، أعتقد أن الوقت حان لكي تعرف السيدة ليان كل شيء.
شعرت بقلبي ينقبض.
لم أكن بحاجة إلى المزيد من الأسرار.
قلت
كمال، ليس الآن.
نظر إلى بطني.
أنتِ في الشهر السابع، وتم إلقاء الماء البارد عليكِ أمام عشرات الأشخاص. أعتقد أن الآن هو أفضل وقت.
وضعت يدي على بطني.
كان
الألم قد خف قليلًا.
لكنني كنت لا أزال أشعر بالخوف على طفلي.
اقترب مني أحد الضيوف.
كانت امرأة أعرفها من سنوات، اسمها هالة.
قالت بصوت خافت
ليان… هل أنتِ بخير؟
أومأت.
أنا بخير.
لكن ياسر اقترب مني فجأة.
ليان، دعينا نتحدث وحدنا.
نظرت إليه.
عن ماذا؟
عن كل هذا.
انتهى كل شيء بيننا منذ أشهر.
لكن هناك طفل بيننا.
ابتسمت بمرارة.
تذكرت الآن أن هناك طفلًا؟
تغير وجهه.
لم أقصد ذلك.
بل قصدته.
كان صوته أكثر هدوءًا هذه المرة.
أريد أن أعرف لماذا أخفيتِ عني كل هذا.
ضحكت ضحكة قصيرة.
لأنك لم تسألني يومًا من أكون.
لم يجب.
تابعت
كنت مهتمًا فقط بما تستطيع عائلتك الحصول عليه مني. عندما كنتِ تظنون أنني بلا مال، عاملتموني وكأنني عبء. وعندما اكتشفتم أنني أملك الشركة، تغيرت نظراتكم في ثوانٍ.
قالت نوال بعصبية
لا تحاولي لعب دور الضحية! أنتِ من خدعتِ ابني.
التفت إليها.
أنا لم أخدع أحدًا.
ثم أشرت إلى الدلو الفارغ الذي ما زال في يدها.
لكن أنتِ أهنتِ امرأة حامل أمام عشرات الأشخاص دون أن تعرفي حتى حقيقتها.
سكتت.
ثم قلت
وهذه ليست مشكلة بين حماة وزوجة ابنها السابقة بعد الآن.
نظرت إلى كمال.
أريد إيقاف كل التمويلات الجديدة لشركة ياسر.
ساد الهمس بين الضيوف.
رفع ياسر رأسه بسرعة.
ماذا؟
أكملت
وأريد مراجعة جميع العقود والتحويلات التي تمت خلال السنوات الثلاث الماضية.
قال كمال
سيتم ذلك فورًا.
صرخ ياسر
لا يمكنك فعل هذا!
نظرت إليه.
بل أستطيع.
أنت تدمرين عملي!
أنا لا أدمر شيئًا.
ثم أضفت
أنا فقط أتوقف عن إنقاذه.
كانت الجملة أثقل من أي صرخة.
نظر ياسر إلى أمه.
ثم إليّ.
وبدأت ملامحه تتغير.
لأول مرة، بدا وكأنه أدرك أن المرأة التي كان يعتقد أنها خرجت من حياته خاسرة…
كانت في الحقيقة الشخص الوحيد الذي أبقى حياته مستقرة طوال تلك السنوات.
وفجأة شعرت بدوار شديد.
وضعت يدي على الطاولة.
قال كمال بقلق
ليان؟
أنا بخير… فقط أحتاج إلى الجلوس.
لكن قبل أن أتحرك، شعرت بيدي الأخرى تضغط بقوة على بطني.
هذه المرة كان الألم مختلفًا.
أشد.
أسرع.
اقتربت هالة مني.
يجب أن تذهبي إلى المستشفى.
أومأت.
اتصلي بالطبيب.
قال كمال
السيارة في الخارج.
لكن ياسر تقدم بسرعة.
سأذهب معها.
رفعت عيني إليه.
لا.
توقف.
ليان…
لا أريدك معي.
تراجع خطوة.
كانت هذه أول مرة يرى فيها في عيني شيئًا لم يره طوال زواجنا.
لم يكن غضبًا.
بل نهاية كاملة.
قلت
سأذهب مع كمال.
ثم التفت إلى نوال.
كانت لا تزال واقفة عند أعلى الدرج، تمسك بالدلو وكأنها لم تستوعب بعد كيف انقلبت الأمور عليها بهذه السرعة.
قلت لها
احتفظي بذلك الدلو.
نظرت إليّ باستغراب.
لماذا؟
أجبتها
لأنه سيكون أهم دليل على الليلة التي اكتشفتِ فيها أنكِ لم تعرفي شيئًا عن المرأة التي كنتِ تحتقرينها.
ثم غادرت القاعة.
وخلفي، سمعت صوت ياسر يصرخ
ليان! انتظري!
لكنني لم ألتفت.
لأنني كنت أعرف أن القادم لن يكون مجرد نهاية زواج.
بل بداية الحساب.
وفي تلك الليلة، بينما كنت في طريقى إلى المستشفى، وصلني أول تقرير من كمال.
وكان يحمل رقمًا جعلني أنسى الألم للحظات.
ثلاثة عشر مليون جنيه.
هذا هو المبلغ الذي اكتشفت أن ياسر وعائلته حصلوا عليه من أموال الشركة دون موافقتي خلال السنوات الماضية.
لكن المفاجأة لم تكن في الرقم.
المفاجأة كانت في اسم الشخص الذي ساعدهم على إخفاء تلك التحويلات.
كان اسمًا لم أتوقعه أبدًا.
اسم شخص كنت أعتبره أقرب الناس إليّ…
وأكثرهم أمانًا.
وعندما رأيت الاسم على شاشة الهاتف، أدركت أن خيانتي الحقيقية لم تبدأ من عائلة ياسر.
بل بدأت من داخل عائلتي أنا.
حدقت في الاسم على شاشة هاتفي وأنا داخل السيارة.
لم أستطع تصديق ما أراه.
سامي منصور.
أخي الأكبر.
الشخص الذي كنت أثق به أكثر من أي أحد آخر.
رفعت عيني إلى كمال الذي كان يجلس بجانبي.
قلت بصوت متقطع
قل لي إن هذا خطأ.
نظر إلى التقرير، ثم إليّ.
كنت أتمنى أن يكون كذلك.
شعرت بأن الأرض تدور من حولي.
سامي؟
نعم.
أغلقت الهاتف ووضعت يدي على بطني.
كان طفلي يتحرك.
وكأن وجوده يذكرني بأن عليّ أن أبقى قوية.
قلت
منذ متى؟
منذ أكثر من عامين.
أغمضت عيني.
عامان.
عامان وأنا أظن أن المشكلة كانت فقط في ياسر وعائلته.
عامان كان أخي خلالها يساعدهم في الوصول إلى أموال شركتي.
سألت
كيف؟
أجاب كمال
كان لديه صلاحيات محدودة في بعض الحسابات الاستثمارية. استخدمها لإنشاء سلسلة من التحويلات الصغيرة، ثم تم تجميعها داخل مشاريع مرتبطة بشركة ياسر.
ولماذا لم تخبرني؟
ساد الصمت.
ثم قال
لأنني لم أملك الدليل الكافي قبل اليوم.
وصلنا إلى المستشفى.
وبمجرد أن دخلت، بدأ الأطباء في فحصي.
كان القلق واضحًا على وجوههم.
بعد ساعة، أخبرني الطبيب أن الأمور مستقرة، وأن الألم كان نتيجة الإجهاد الشديد، لكن عليّ الراحة والمراقبة.
تنفست براحة.
والطفل؟
ابتسم الطبيب.
نبضه جيد.
أغمضت عيني للحظة.
لم أشعر براحة حقيقية منذ شهور.
لكن هذه الجملة وحدها جعلتني أشعر أنني أستطيع التنفس مجددًا.
بعد خروج الطبيب، وجدت كمال ينتظر خارج الغرفة.
قال
هناك شخص يريد مقابلتك.
من؟
تردد.
أخوك.
تجمدت.
سامي هنا؟
نعم.
ضحكت بمرارة.
بالطبع سيأتي.
بعد دقائق، دخل سامي.
كان وجهه شاحبًا.
تقدم نحوي ببطء.
ليان…
لم أجب.
أعرف أن ما حدث يبدو سيئًا.
نظرت إليه.
يبدو؟
خفض عينيه.
أنا لم أسرق منك.
ضحكت.
إذن ماذا تسمي تحويل ثلاثة عشر مليون جنيه من أموال شركتي إلى مشاريع زوجي السابق؟
كنت أحاول حماية العائلة.
أي عائلة؟
رفع عينيه.
عائلتنا.
قلت بهدوء
أنا عائلتك أيضًا.
لم يجد جوابًا.
جلس على الكرسي المقابل.
ياسر كان يواجه أزمة مالية.
فأنقذته بمالي؟
كان سيخسر كل شيء.
وماذا عني؟
صمت.
تابعت
هل فكرت في خسارتي أنا؟
كنت أعتقد أنك ستسامحينني.
لماذا؟
لم يجب.
ثم قال
لأنك دائمًا كنت الأقوى.
حدقت فيه طويلًا.
هذه الجملة آلمتني أكثر من اعترافه.
لأنها كانت تعني أنه لم يرَ قوتي سببًا لاحترامي.
بل اعتبرها سببًا لاستغلالي.
قلت
خرج.
وقف سامي.
ليان، أرجوك.
قلت اخرج.
اقترب كمال من الباب.
لكن سامي توقف قبل أن يغادر.
هناك شيء آخر يجب أن تعرفيه.
نظرت إليه.
ماذا؟
قال بصوت منخفض
ياسر لم يتزوجك بسبب الحب.
شعرت بقلبي يتوقف للحظة.
ماذا تقصد؟
كان يعرف منذ البداية أنكِ وريثة الشركة.
تجمدت ملامحي.
مستحيل.
والدته كانت تعرف أيضًا.
لم أستطع الكلام.
تابع سامي
الزواج كله بدأ بسبب صفقة.
شعرت بيدي
لمحة نيوز