المليونير

رد حسن باستهزاء
اهدى… هي أصلًا مش هتكمل نص دقيقة.
بصت ندى حواليها.
في ناس كانت بتضحك بصوت عالي… وناس شكلها متضايق لكنها ساكتة… وناس طلعت موبايلاتها وبدأت تصور.
كان قدامها اختيار.
تسيب المكان، وتخلع المريلة، وتخسر الشغل اللي محتاجاه، وتسيب حسن الدمنهوري مقتنع إنه عرف قيمتها من أول نظرة.
من اتناشر سنة…
وهي بتهرب من المسارح… والمرايات… والموسيقى… والزحمة.
ومن اتناشر سنة وهي بتحاول تقنع نفسها إن الاستخباء هو العلاج.
وفجأة لمحت يوسف، عامل صغير في البوفيه، واقف عند باب المطبخ.
كان بيشتغل ليل ونهار علشان يساعد أمه تدفع الإيجار.
وكان شاف بنفسه الراجل وهو بيخبط فيها.
وشاف حسن وهو بيحول غلطة غيرها لإهانة قدام الناس.
قلعت ندى جوانتي الخدمة بهدوء وقالت
أنا موافقة.
اختفى الضحك من القاعة.
حدق فيها حسن بدهشة.
إنتِ قولتي إيه؟
قالت بثبات
قلت إني موافقة على التحدي.
اختفت ابتسامة سوسن.
أما كريم، فبصلها كأنه بيشوفها لأول مرة.
ضحك حسن وقال
عارفة هيحصلك إيه لو خسرتي؟
قالت
لسه ماقولتش.
رد
هتعتذري لمراتي قدام الكل، وتعترفي إنك ضيعتي وقت الناس، وتمشي من هنا وماتفكريش ترجعي للشغل تاني.
همست منى
ندى… بلاش.
لكن ندى فضلت باصة لحسن وقالت
ولو أنا كسبت؟
فتح بقه يرد، لكنها كملت
أنا مش عايزة ابنك… وهو من حقه يختار حياته بنفسه.
بدأت بعض الموبايلات تنزل.
وأضافت
لكن إنت هتعتذر… مش ليا بس… لكل عامل وعاملة في المكان ده، لأنك عاملتوا الناس الشريفة كأن شغلهم يقلل من قيمتهم.
اتغيرت ملامح حسن.
إنتِ مش في موقف يسمحلك تفرضي شروط.
ردت بهدوء
إنت اللي قدمت العرض قدام كل الناس.
وقف كريم جنبها وقال
هي معاها حق.
رمقه أبوه بغضب.
كان كريم نائب رئيس مجموعة الدمنهوري، لكن الكل عارف إن حسن هو اللي ماسك كل قرار. حاول سنين يحسن أوضاع الموظفين ويعمل مشروعات إسكان للشباب، لكن أبوه كان بيرفض أي قرار يقلل أرباحه.
دلوقتي، وقدام مئات الكاميرات، ماقدرش يتراجع.
قال بعصبية
اتفضلي… ارقصي.
وقفت سوسن في نص القاعة.
بدأت ترقص بخطوات متقنة وواثقة، كأنها عمرها ما شكت إنها تستحق المكان اللي هي فيه.
بدأت الفرقة تعزف الفالس.
أنهت الرقصة بدوران أنيق، وتصفيق الحضور ملأ القاعة.
رجعت مكانها وهي بتبتسم بثقة.
وقالت
يلا… ورينا.
خطت ندى ناحية أرضية الرقص.
كانت لابسة حذاء خدمة أسود قديم، عملي جدًا، لكنه مش مناسب للرقص نهائي.
سألها كريم
تحبي أجيبلك جزمة مناسبة؟
قالت
لأ.
متأكدة؟
بصت له وقالت بابتسامة خفيفة
لأ… بس أنا رقصت قبل كده في ظروف أصعب بكتير.
استغرب من كلامها.
لفت ندى ناحية قائد الفرقة وقالت
ممكن تعيدوا نفس الفالس من الأول؟
ضحك حسن ساخرًا
فاكرة إن الإعادة هتفرق؟
ما ردتش.
بدأت أول نغمة…
وفي لحظة واحدة…
ما بقتش واقفة في برج الدمنهوري.
رجعت اتناشر سنة لورا…
كانت عندها أربعة وعشرين سنة، واقفة ورا ستارة حمراء ضخمة، مستنية تدخل نهائي بطولة الجمهورية للرقص. شريكها أحمد ماسك إيدها، وأمها قاعدة في الصف الأول، وآلاف الناس مستنيين ظهور البطلة اللي محدش قدر يهزمها.
لكن الذكرى اتغيرت فجأة…
مطر غزير…
أنوار عربية جاية بسرعة…
صوت حديد بيتكسر…
وصوت أمها اختفى للأبد.
سقف مستشفى أبيض…
ودكتور بيقول
إحنا أنقذنا رجلك.
ودكتور تاني بيقول
لازم تتقبلي إن حياتك من النهارده هتتغير.
قفلت ندى عينيها.
والموسيقى مستمرة.
افتكرت أول خطوة مشيتها بعد العملية.
وأول مرة وقفت من غير ما تمسك في حاجة.
وأول مرة حاولت تلف… فوقعت على
حكايات_ميراا
وقعت على الأرض ساعتها قدام كل الموجودين في مركز التأهيل.
ماحدش ضحك…
لكن هي سمعت الضحك جوا دماغها.
ضحك الجمهور اللي كانت متخيلة إنه هيشوفها ضعيفة.
ومن يومها، أقسمت إنها عمرها ما هترقص تاني.
فتحت ندى عينيها على صوت الموسيقى وهي بترجع للحاضر.
القاعة كلها كانت ساكتة.
أخدت نفسًا عميقًا…
وحطت رجلها اليمين قدامها بخفة.
خطوة واحدة.
بس الخطوة دي كانت مختلفة.
ماكانتش استعراض…
كانت اختبار.
كل عين في القاعة كانت معلقة بيها.
لفت بهدوء، ودارت نص دورة فقط.
الناس استغربت.
حسن الدمنهوري ابتسم بسخرية وهمس للي جنبه قلتلكم… مش هتكمل.
لكن قائد الفرقة الموسيقية فجأة عقد حاجبيه.
بص لعازف الكمان، وبعدين رجع بص لندى.
كأنه حس بحاجة مألوفة.
ندى رفعت إيدها في الهواء بنفس الزاوية القديمة…
الزاوية اللي كانت علامة مميزة لبطلة الجمهورية زمان.
العازف الكبير همس لنفسه مستحيل…
أما كريم، فكان مركز في ملامحها أكتر من حركتها.
لاحظ إن كل خطوة كانت محسوبة.
كأنها بتحارب ألم محدش شايفه.
في الصفوف الخلفية، واحدة من الصحفيات كانت بتصور لايف.
قربت الكاميرا من وش ندى وهي بتلف ببطء.
وفجأة…
وصل تعليق على البث.
الست دي شبه ندى عبد الرحمن… بطلة مصر اللي اختفت بعد الحادث.
الصحفية قرأت التعليق وضحكت.
لكن بعدها بثواني وصل تعليق تاني…
وثالث…
وعاشر…
كلهم بيكتبوا نفس الاسم.
بدأت تبص بين شاشة الموبايل ووش ندى.
وشها شحب.
همست للمصور اللي جنبها لو ده حقيقي… إحنا قدام خبر السنة.
في نفس اللحظة، كانت سوسن لسه مبتسمة.
لكن ابتسامتها بدأت تهتز.
لأن ندى غيرت الإيقاع فجأة.
من الفالس الهادئ…
لحركة دوران سريعة جدًا.
الحضور شهق.
إزاي واحدة لابسة حذاء خدمة تقدر تعمل الحركة دي؟
حتى كريم اتحرك خطوة لقدام من غير ما يحس.
أما حسن، فابتسامته اختفت لأول مرة.
ندى كملت الحركة للنهاية…
لكن وهي بتنزل على ركبتها، وشها انكمش للحظة من الألم.
مسكت رجلها بسرعة…
وكأن الإصابة القديمة رجعت تهاجمها.
منى صرخت من بعيد ندى… كفاية!
لكن ندى رفعت رأسها بابتسامة هادئة.
وقفت من جديد…
رغم إن رجلها كانت بترتعش.
ساعتها…
قام راجل مسن من آخر القاعة.
كان لابس بدلة رمادية بسيطة، ومحدش انتبه له من أول الحفل.
رفع صوته وقال
وقفوا الموسيقى!
سكتت الفرقة فورًا.
كل الأنظار اتجهت له.
أما ندى…
فلما شافته، اتجمدت مكانها.
وشها فقد لونه.
وهمست بصوت يكاد مايتسمعش
كابتن… فؤاد؟!
الراجل بص لها بعينين مليانين دهشة، وقال
أخيرًا لقيتك… بعد اتناشر سنة كاملة اتجمدت القاعة.
الاسم لوحده كان كفاية يخلي كام واحد من كبار السن يبصوا لبعض باستغراب.
تقدم الرجل بخطوات بطيئة، وعينه ما فارقتش ندى.
قال بصوت متأثر
كنت متأكد إنك عايشة… لكن محدش كان يعرف انتي فين.
ندى نزلت عينيها للأرض.
يا كابتن… أرجوك.
هز رأسه بحزن.
لسه بتهربي؟
ساد صمت ثقيل.
حسن الدمنهوري عقد دراعيه وقال ببرود
هو حضرتك تعرفها؟
التفت إليه الرجل، وقال بهدوء
أعرفها؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
أنا اللي دربتها من وهي عندها تسع سنين.
بدأ الهمس ينتشر بين الحضور.
الصحفية فتحت هاتفها بسرعة وكتبت اسم ندى عبد الرحمن.
بعد ثوانٍ ظهرت صور قديمة.
فتاة شابة ترفع كأس بطولة الجمهورية.
صورة ثانية وهي واقفة على منصة التتويج.
وصورة ثالثة مع المنتخب المصري.
شهقت الصحفية.
يا إلهي…
لفت الشاشة ناحية زميلها.
بص.
بدأ الخبر ينتقل من موبايل لموبايل.
واحد من رجال الأعمال قال
أنا فاكرها… كانت بطلة مصر أكتر من مرة.
ورد عليه آخر
اختفت بعد حادث كبير… الجرائد كلها كانت بتتكلم عنها.
أما سوسن، فبدأت ملامحها تتوتر.
همست لحسن
يمكن يكونوا غلطانين.
لكن حسن ما ردش.
كان باصص لندى لأول مرة… من غير نظرة استعلاء.
الكابتن فؤاد كمل كلامه
تعرفوا ليه هي لابسة يونيفورم خدمة النهارده؟
ندى رفعت رأسها بسرعة.
كابتن… من فضلك.
لكنه قال بحزم
كفاية سكوت.
ثم التفت للحضور.
بعد الحادث، رفضت أي حد يصرف عليها.
باعت شقتها علشان تسدد ديون علاج أمها قبل ما تتوفى.
واشتغلت أي شغل شريف تلاقيه.
وفي كل مرة كنت أطلب منها ترجع للرقص… كانت ترفض.
ساد صمت مؤلم.
يوسف، عامل البوفيه الصغير، كانت عينه مليانة دموع.
أما كريم، فكان ينظر إلى ندى بإعجاب واحترام واضحين.
قال بهدوء
كل ده… وإنتِ ماقولتيش كلمة؟
ابتسمت ندى ابتسامة باهتة.
الناس مش محتاجة تعرف الماضي… المهم الواحد يشتغل بأمانة.
في تلك اللحظة، دوّى تصفيق.
شخص واحد فقط كان بيصفق.
ثم انضم له شخص ثانٍ…
ثم ثالث…
وخلال ثوانٍ، تحولت القاعة كلها إلى موجة تصفيق طويلة.
لكن حسن الدمنهوري…
لم يصفق.
كان واقفًا في مكانه، وعيناه لا تفارقان ندى.
وفجأة قال بصوت مرتفع
الكلام ده كله جميل…
فسكت الجميع.
ثم أكمل وهو ينظر مباشرة إلى الكابتن فؤاد
بس أنا ماحكمتش عليها من ماضيها.
وأشار إلى أرضية الرقص.
أنا حكمت على اللي شوفته بعيني النهارده.
سوسن ابتسمت من جديد، وكأنها استعادت ثقتها.
أما حسن فأكمل
والتحدي لسه ماخلصش.
ثم التفت إلى قائد الفرقة وقال
ابدأوا المقطوعة الأخيرة.
استغرب الجميع.
قال كريم بغضب
يا بابا… خلاص بقى.
لكن حسن هز رأسه.
لأ.
ثم نظر إلى ندى وقال
في حركة واحدة… مستحيل أي راقص يعملها إلا لو كان بطل حقيقي.
وصمت لحظة قبل أن يكمل
اعمليها… وساعتها هعرف إذا كانت الحكايات دي كلها حقيقة… ولا مجرد أسطورة.
في تلك اللحظة…
اتسعت عينا الكابتن فؤاد، وقال بقلق شديد
لا يا ندى… الحركة دي ممنوعة عليكي.
لكن ندى كانت قد خلعت حذاء الخدمة ببطء…
وخطت أول خطوة نحو منتصف القاعة.
وعلى وجهها ظهر نفس الإصرار الذي اختفى منذ اثني عشر عامًا… بينما الحضور كله حبس أنفاسه، منتظرًا ما سيحدث في اللحظة التالية
لمحة نيوز