يوسف لمشيره محمد

​أول كام أسبوع في شقتي الصغيرة، يوسف كان بيخاف ينام على السرير، وكان بيفضل ينام على الأرض جنب الباب. كان بيخبي الأكل في جيوبه عشان خايف يجوع تاني. كان بيعتذر لو كح، أو لو كوباية مية اتهزت في إيده.

​كنت بصحى كل ليلة على صوته وهو بيعيط في الكوابيس، أروح أخده في حضني، وأفضل أطبطب عليه وأقرأ له قرآن لحد ما يهدى. كنت دايماً بفهمه إن البيت ده بتاعه، وإن الأكل عمره ما هيخلص، وإن مفيش إنسان على وجه الأرض يقدر يمد إيده عليه تاني.

​شريف كان بييجي يزوره كل أسبوع. في الأول، يوسف كان بيخاف منه وبيستخبى ورا ضهري. بس مع الوقت، ولما شاف إن شريف بيبكي وبيتأسف له في كل مرة، ولما عرف إن ريهام ودولت أخدوا أحكام بالسجن، بدأ يوسف يفك شوية. شريف ما حاولش يفرض نفسه عليه كأب، كان راضي بأنه يكون مجرد “ضيف” بيجيب لعب وحلويات، وبيحاول يكفر عن ذنب السنين اللي فاتت.:#روايات_مشيره_محمد

​أما أنا، فقفلت العيادة القديمة، وشريف صمم يجهز لي مركز طبي متكامل في منطقة راقية كجزء من تعويضه لينا، بس أنا رفضت. قلت له: “العيادة اللي ابني جالي فيها وهو مكسور، هي العيادة اللي هفضل أعالج فيها الغلابة اللي شبهه.” شريف احترم رغبتي، واكتفى بأنه يتكفل بكل مصاريف الحالات غير القادرة اللي بتيجي العيادة.

​شروق شمس جديدة

​يوم الثلاثاء، بعد ست شهور بالتمام والكمال من ليلة العاصفة والمطر. كنت في المطبخ بجهز الغدا، وريحة المكرونة بالبشاميل اللي يوسف بيحبها مالية البيت.

​سمعت صوت خطواته بره. الجبس كان اتفك من شهرين، وبقى بيمشي كويس جداً، مجرد عرجة خفيفة أوي الدكاترة قالوا إنها هتروح مع العلاج الطبيعي.

​دخل المطبخ، وبص لي بابتسامة واسعة ما كنتش بشوفها في الأول. وشه بقى مليان، وعينيه العسلي بقت بتلمع بالحياة والأمان. كان لابس تيشرت جديد، وشعره متسرح، وماسك في إيده كراسة الرسم بتاعته.

​”دكتورة منى…” قالها وهو بيضحك ومخبي الكراسة ورا ضهره.

لفيت له وأنا بمسح إيدي في الفوطة: “خير يا أستاذ يوسف؟ مخبي إيه وراك؟”

​طلع الكراسة وفتحها على صفحة رسم فيها بيت صغير، وشمس بتضحك، وست ماسكة إيد طفل صغير. الرسمة كانت بسيطة، بس بالنسبة لي كانت أعظم لوحة في العالم.

​”دي ليكي،” قالها وهو بيمد إيده بالكراسة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *