حماتي اهانت امي

مامتك ممكن تتغدى في المطبخ يا نادية.. النهاردة عندنا ضيوف مهمين.
​حماتي قالت الجملة دي قدام الكل بكل برود، وكأنها بتطلب تحريك كرسي مش بتهين الست اللي شقيت عشان تعملي قيمة وتشتريلي بيت!
​الصالون كله فجأة قلب مدافن، ومحدش نطق.
​أمي، الحاجة إيمان، كانت جاية من قرية صغيرة في الفشن ببني سويف. سافرت 5 ساعات كاملة في الميكروباصات عشان تحضر عيد ميلاد بنتي فريدة، اللي تمت 5 سنين. وصلت وهي شايلة في إيدها شنطة خوص مليانة جبنة قريش، وفطير مشلتت، وعيش فلاحي، وبرطمان مش كانت لسه مطلعاه من البلاص الفجر. بالنسبة لها، الأكل ده مش فقر، ده حب متغلف في مناديل بيضاء ومتطرزة بإيدها.
​كنت عايشة مع جوزي، طارق نصار، في شقة دورين في مصر الجديدة. من بره، أي حد يشوفنا يقول عائلة مثالية: مدخل نضيف، زرع أخضر في البلكونة، ستاير شيك، طفلة بتضحك، وجواز مستقر. بس اللي محدش كان يعرفه إن الشقة دي مأخدناش منها مليم من جيب طارق ولا أهله.
​قبل ما أتجوز، أبويا، الحاج مصطفى، باع حتة أرض كانت حيلته في البلد، وقالي وقتها:
— البنت اللي عندها سقف ملكها، عمرها ما تضطر توطي راسها لحد.
​أمي عيطت وهي بتمضي على العقود، خدتني في حضنها وهمست لي:
— البيت ده مش عشان تشوفي نفسك على حد يا بنتي، ده عشان لو جه يوم وحد فكر يكسر بخاطرك، تلاقي أرض صلبة تقفي عليها.
​طارق كان عارف الكلام ده كويس وعمره ما أنكره، بالعكس، يوم ما استلمنا المفاتيح وعد أبويا وأمي إنه عمره ما هيخليني أتبهدل في البيت ده، وفعلاً عاش سنين صاين الوعد؛ يساعد أبويا لو سافرنا البلد، وياخد أمي للدكتور لو جت مصر، وبيتعامل معاهم بكل أدب.
​المشكلة كلها كانت في عيلته هو.
​حمايا، الحاج رفعت، كان من مدرسة إن الراجل لازم تؤمر وتنهي حتى لو مش عارف المقشة فين في البيت. أما حماتي، الحجة ناهد، فكانت بتتكلم من تحت لِتحت، كلامها ناعم بس بيجرح زي الموس. كانت دايماً تقول قدام الناس:
— طارق مروق على نادية ومقعدها في عز.. وجود الراجل في البيت أمان.
​طارق كان بيحرجها ويقول:
— يا أمي الشقة ملك نادية، أبوها اللي شاريها لها من قبل ما نتجوز.
​فتبتسم بصفار وتقول:
— يا بني الراجل ومراته واحد، بلاش تفرقوا بينكم كدة.
​وكنت بسكت.. بسكت عشان أشتري دماغي ولأجل السلام، وبقول في نفسي دي غيرة حموات، والواحد بيبعلع كلام كتير عشان العزومات متبقاش خناق.
​بس الوضع بدأ يتغير تماماً لما أخت جوزي، داليا، جت في يوم وهي متوترة، ريحة برفيومها قالبة المكان وضحتكتها فِيك ومزيفة. وهي بتتكلم في الموبايل في البلكونة، سمعتها بالصدفة بتقول:
— وقسماً بالله هسدد يوم الجمعة.. بلاش تهديد، وماتتصلش على البيت هنا!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​دخلت بعدها، بصت على الصالة وقالت بهزار سمج:
— شقة زي دي تجيب ملايين.. لو حد رهنها، يفك زنقات ناس كتير.
​الكلمة دي لزقت في دماغي ومخرجتش.
​بعدها بأيام، حماتي بدأت تلمح لي إن المفروض أكتب الشقة باسم طارق كمان:
— الراجل لما اسمه ميبقاش في العقود، بيحس إنه قليل يا نادية.
​رديت عليها بكل برود:
— الورق مش هو اللي بيعمل قيمة للراجل يا طنط.
​ابتسمت من غير أي طيبة وقالت:
— الستات اللي بتمسك في الحتة والقمة، جوازهم بيخرب في الآخر.
​يوم السبت، في عيد ميلاد فريدة، حاولت أنسى كل القرف ده. عملت محشي، وفراخ محمرة، ورقاق، وجيلاتين ألوان، والتورتة اللي فريدة اختارتها على شكل قطة. أبويا وأمي وصلوا بدري، هلكانين من السفر بس الفرحة مش سيعاهم، فريدة جريت عليهم وهي بتصرخ:
— تيتة إيمان.. أنا شلت لك الكرسي اللي جنبي!
​وش أمي نور.
​لوهلة، قولت اليوم هيعدي على خير.. لحد ما وصلت عيلة طارق.
​طنط ناهد دخلت وهي بتبص لشنطة الأكل اللي أمي جايباها بقرف، وداليا لوّت بوزها وقالت:
— إيه الريحة النفاذة دي؟ ما تشيلوا الحاجات دي في المطبخ جوه يا جماعة!
​أمي نزلت عينيها في الأرض، وسحبت الشنطة تحت رجليها.
​ولما جينا نقعد عشان ناكل، فريدة مسكت إيد أمي عشان تقعدها جنبها، وهنا حماتي وقفت بفستانها الشيك، وقالت الجملة اللي قسمت البيت نصين:
— مامتك ممكن تتغدى في المطبخ يا نادية.. النهاردة عندنا ضيوف مهمين.
​أبويا رزع الكوباية على الترابيزة. وأمي ابتسمت بكسرة نفس، وكأنها هي اللي غلطانة إنها موجودة:
— مفيش حاجة يا بنتي.. احنا ناكل في أي حتة.
​فريدة تفت حاجبها وقالت:
— ليه تيتة تاكل في المطبخ والنهاردة عيد ميلادي أنا؟
​محدش رد.
​أنا حسيت إن في حاجة جوايا اتهدت واتكسرت 100 حتة.
​وفجأة.. طارق ضرب الترابيزة بقبضة إيده بكل عزم ما فيه، لدرجة إن الأطباق اترجت والكل اتسمر في مكانه:
— بيت مراتي وبنتي هو بيت أهلها.. اللي مش عاجبه الوضع هنا، الباب يفوت جمل!
​محدش كان مصدق اللي هيحصل بعد ثانية واحدة…
الجزء الثاني
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​طنط ناهد وشها جاب ألوان، بس بسرعة مالحقتش تضيع هيبتها ورسمت وش الأم المظلومة اللي بتعرف تمثله كويس أوي، وقالت:
— إنت بتكلمني أنا بالطريقة دي قدام الناس يا طارق؟ عشان خاطر أهل مراتك؟
​طارق وقف على حيله.. ما زعقش، وده بالذات اللي رعب الكل. صوته طلع واطي، ثابت، وفي منتهى الحسم لدرجة إن حمايا نفسه كتم نفسه للحظة:
— دول مش “أهل مراتي”.. دول جدود بنتي. والشقة دي لو موجودة، فده عشان الناس دي باعوا شقا عمرهم وحيلتهم في الدنيا عشان نادية يبقى ليها سقف يحميها.
​حمايا، الحاج رفعت، ضحك بمرارة وسخرية:
— والله مرقّعة! بقى دلوقتي حماك وحماتك قيمتهم أعلى من أبوك وأمك؟
​طارق رد عليه:
— لأ.. القيمة للي بيحترم ويصون.
​الترابيزة كلها اتجمدت. المحشي كان بيبرد، والتورتة زي ما هي محدش لمسها، وفريدة كانت حاضنة دراع أمي وهي مش فاهمة ليه الكبار قادرين يبوظوا حاجة بسيطة وزي العسل زي يوم عيد ميلادها.
​داليا ربعت إيدها وقالت بلوية بوز:
— جرى إيه يا طارق ما تكبرش الموضوع! ماما كانت بتظبط القاعدين بس. نادية هي اللي دايماً بتعمل دراما عشان الشقة مكتوبة باسمها وفاكرة إننا لازم نضرب لها تعظيم سلام!
​بصيت لها وقولت:
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— أنا لسه مابدأتش أعمل دراما يا داليا.
​حماتي حطت إيدها على صدرها وشخصت:
— يا قلة الأدب! الست دي من ساعة ما بقى معاها عقود ملكية وهي فاكرة نفسها ملكت ابني كمان.
​في اللحظة دي أمي وقفت وقالت:
— خلاص يا بنتي.. يلا بينا احنا، مش عايزين نعمل مشاكل.
​لما شفت أمي واقفة بعبايتها البسيطة اللي كانت كاوياها من بالليل، وعينيها مليانة كسرة وخجل، قلبي وجعني أكتر من أي شتيمة. دي الست اللي باعت أمانها عشان تديني أماني، ودلوقتي عايزة تمشي عشان ماتضايقش الناس اللي هانوها!
​مسكت إيدها وقولت:
— لأ يا أمي.. إنتي هتقعدي هنا، جنب فريدة.
​طارق شد كرسيين وحط أبويا وأمي في نص الترابيزة بالظبط، وبص لعيلته وقال:
— اللي عايز يتعشى باحترام يتفضل يقعد.. واللي مش عاجبه، الباب يفوت جمل وعارف طريقه كويس.
​العزومة كملت، بس محدش عرف يضحك من قلبه تاني. غنينا لفريدة بابتسامات خشب ومشدودة. فريدة نفخت الشمعة وغمضت عينيها وهي بتتمنى أمنية.. وأنا كنت بدعي في سري إنها ماتفتكرش عيد ميلادها ده باليوم اللي عرفت فيه إن في كبار فاكرين إن كرامة الناس بتتقسم بالمقامات والفلوس.
​بعد ما الضيوف مشيوا، حمايا انفجر في الوش:
— صغرتني وفضحتني قدام الغريب والقريب! هي دي التربية اللي مرأتك علمهالك؟
​طارق خد نفس طويل وقال:
— أهل مراتي علموني بالأفعال.. أدوني بيت ومطلبوش مني مليم في المقابل. إنما أنتوا، بقالكم شهور مابتتكلموش غير في العقود والملك لـ مين.
​داليا وقفت فجأة وزعقت:
— عشان إنت راجل يا طارق! ماينفعش تعيش زي الضيف المقيم في شقة ست!
​ساعتها بس أنا فهمت كل حاجة.. الموضوع ماكنش مجرد كبرياء وعنجهية، ده كان مصلحة وفلوس!
​تاني يوم الصبح، تليفون طارق مابطلش رن. داليا كانت منزلة فيديو على جروب العيلة ومقصوص منه حتت أه كأنه مونتاج محترف. طارق كان طالع فيه وهو بيقول إنه عايش في شقتي ومش مكسوف، وبعدها لقطة لحماتي وهي بتعيط وحمايا بيشاور عليه بصباعه ويوبخه. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قصوا الحتة اللي حماتي بتمشي فيها أمي للمطبخ.. وقصوا سؤال فريدة.. وقصوا كل حاجة بتوضح الحقيقة!
وكان مكتوب تحت الفيديو: “لما الـمَرا يكون عندها شقة ملك، بتفتكر إنها تقدر تبعد الراجل عن أهله وتكسر عينه.”
​في خلال ساعات، الفيديو اتسرب لجروب سكان العمارة، وللخالات والعمات البعاد، ووصل لحد بلد أمي في الفشن!
أبويا اتصل بيا وصوته يرعب من كتر الغضب:
— يا طارق، لو ماوضحتش الكلام ده، فالحكاية مابقاش فيها إهانة لمراتي وبس.. دول بيلعبوا بشرف وبسمة بنتي وحفيدتي في وسط الناس!
​طارق غمض عينيه وقال:
— هصلح كل حاجة يا حاج، وحقكم هيرجع.
​بعد الظهر، قعدنا نفرغ كاميرات المراقبة اللي مركبينها في الصالون.. كان معانا الفيديو كامل بالصوت والصورة. سيفنا سكرين شوتس من جروب العيلة، ورسايل داليا، والفويسات اللي حماتي كانت بتزن فيها عشان الشقة تتكتب باسم طارق.
​بس وأنا بفتش وسط الحاجات دي، لقيت مصيبة ألعن وأكبر!
رسالة من داليا مبعوتة لحماتي بتقول فيها: “لو طارق مضى على عقد القسمة أو الشرا، القرض هيطلع والبنك هيوافق.. لو ممضاش، السنتر والبيوتي سنتر بتاعي هيتحجز عليهم الأسبوع ده باللي فيهم!”
​دمي اتجمد في عروقي.. هما ماكنش هاممهم كرامة طارق ولا رجولته.. هما كانوا عايزين يلهفوا شقتي عشان يسدوا ديونهم! والوساخة الكبيرة كانت لسه هتطلع للعلن…
الجزء الثالث والأخير
​أنا وطارق قعدنا وبصينا لبعض، الصدمة كانت لجمانا.. طارق كان وشه جايب دم من كتر الكسرة والخزلان من أهله، باصص لشاشة الموبايل ومش مصدق إن أمه وأخته كانوا مستعدين يبيعوه ويهدوا بيته ويخربوا حياته عشان بس يداروا على مصايب داليا وفشلها. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​طارق خد نفس طويل، وبصلي وقالي كلمة واحدة: “حِقِك وحق أهلك هيرجع يا نادية، والمسرحية دي لازم تنتهي النهاردة.”
​من غير ما نرد على تليفونات ولا ندخل في خناقات على الجروبات، طارق أخد الفيديو الكامل بتسجيل الكاميرات—من أول ما أمي دخلت بالشنطة والترحيب، لحد الجملة السامة بتاعة حماتي “مامتك تاكل في المطبخ”، لرد فريدة الذكي، لضربة طارق على الترابيزة، وطردته ليهم—والمفاجأة إنه دمج في آخر الفيديو الاسكرين شوتس والرسايل الفاضحة بتاعة داليا عن حوار القرض والبيوتي سنتر المحجوز عليه!
​طارق نزل الفيديو الكامل على صفحتة الشخصية وكتب فوقه جملة واحدة:
​”البيوت بتتبني بالوصول والكرامة.. مش بالسرقة والمظاهر الكدابة. ده الفيديو الكامل للي حصل في عيد ميلاد بنتي، عشان الكل يعرف مين اللي بيشتري ومين اللي بيبيع.”
​الفيديو نزل من هنا، والدنيا اتقلبت في ثواني!
​الردود: كل قرايبهم وجيران مصر الجديدة اللي كانوا بيهاجمونا، لفو مية وثمانين درجة. التعليقات قلبت كله دعاء لأمي وأبويا بالصحة والستر، وهجوم حاد ومسخرة على حماتي وبنتها.
​الفضيحة: داليا مبقتش عارفة تودي وشها فين بعد ما دائنين البيوتي سنتر عرفوا إنها بتغرق ومفيش قرض هيطلع، والكل بدأ يطالب بفلوسه فوراً.
​بعدها بساعتين، الباب خبط بكل غشم. فتحنا لقينا حمايا، الحاج رفعت، واقف ووشه في الأرض، ووراه حماتي ناهد بتعيط ومنهارة، وداليا واقفه وراهم هيموتها الرعب.
​حمايا دخل وقال لصوت مكسور:
— امسح الفيديو ده يا طارق.. فضحتنا وخليت اللي يسوى واللي ميسواش يتفرج علينا ويشمت فينا! داليا بيتها هيتخرب والسنتر هيقفل.
​طارق وقف بكل ثبات وقاله:
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— اللي خاف على الفضيحة، كان خاف على كسر خاطر ست غلبانة ملهاش ذنب وجاية تفرح بحفيدتها! اللي خاف على الفضيحة، ماكنش خطط يسرق شقة مراتي عشان يداري على خيبتكم!
​حماتي قربت مني وهي بتعيط وتقول:
— سامحيني يا نادية.. أنا كنت مضغوطة عشان أخت جوزك، ومقصدش أهين والدتك، احنا أهل برضه.
​بصيت لها وقولت بكل برود:
— لأ يا طنط.. إنتي قصدتي، وقصدتي أوي كمان. بس أمي الحاجة إيمان اللي عوزتي تقعديها في المطبخ، كرامتها برقبتكم كلكم. والشقة دي اللي كنتوا هيموتوا وتكتبوها باسم طارق عشان ترهنوها، مش هتشوفوا عتبتها تاني.
​طارق بصلهم وقالهم الكلمة الأخيرة:
— الفيديو مش هيتمسح.. وحق نادية وأهلها رجع قدام الناس كلها. ودلوقتي، اتفضلوا من غير مطرود، ومحدش فيكم يعتب البيت ده تاني، ولا يدخل في حياتنا.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​خرجوا وهم يجروا أذيال الخيبة والفضيحة اللي عملوها بإيدهم.
​الأسبوع اللي بعده، أخدت طارق وفريدة وسافرنا البلد في الفشن.. أول ما دخلنا من الباب، طارق جري على إيد أمي وباسها، واعتذر لها تاني قدام أبويا. أمي بقلبها الطيب المتسامح طبطبت عليه وقالتله: “يا بني إنت صنت بنتي وصنت الوعد.. والراجل بيبان في المواقف، وإنت طلعت راجل وابن أصول.”
​قعدنا كلنا في وسط العيلة، وأكلنا من الفطير والمش والجبنة القريش اللي أمي كانت جايباها، بس المرة دي وسط ضحك وفرحة حقيقية.. وعرفنا إن السقف الملك مش بس بيحمي من المطر، ده بيحمي كمان من غدر النفوس المريضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *