اهانت ابني حصري لصفحه روايات رولا

دفعت إيجار شهور، وشيلت عيالها، وفضلت كاتمة في نفسي… لحد ما أختي هزأت ابني في وسط عزومة عيلة، وأبويا قالها: ‘علميه إن مش كل حاجة يعوزها يلاقيها’.”
— “قولي لابنك ميتفلسفش في المنيو يا مريم. احنا مش جايين النهاردة ونصرف على مزاج غيرنا”.
الكلمة دي طلعت من بوق رانيا، أختها، في نفس اللحظة اللي كان فيها سيف (8 سنين) بيبص لورقة المنيو وعينيه بتلمع. كانوا في مطعم شيك في المعادي، بيحتفلوا بمرور 35 سنة على جواز أبوها وأمها. على الترابيزة، عيال رانيا كان نازلهم عصير فريش كبير، ومقبلات، وقطع ستيك ممسوحة “عشان ميزنش”. أما سيف، ابن خالتهم، فزقوا قدامه طبق عيش ناشف بس.
مريم حست إن في حاجة انكسرت جواها.
هي اللي حجزت المكان، ودفعت العربون، وجابت التورتة، وبروزت صورة قديمة لأبوها وأمها. لأسابيع بلعت تعبها عشان كانت عايزة ليلة واحدة تظبط فيها العمل. ليلة واحدة بس. بس عيلتها كالعادة فكرتها بمكانها: البنت اللي بتدفع، البنت اللي بتستحمل، البنت اللي مبتفتحش بوقها.
— “ماما، أنا ممكن أطلب حاجة صغيرة عادي”، سيف همس بكسوف.
وقبل ما مريم ترد، أبوها طلع ضحكة ناشفة.
— “طب علميه إن مش كل حاجة يعوزها يلاقيها يا بنتي. هي دي التربية الصح”.
رانيا ابتسمت برأس مرفوعة وكأنها كسبت حرب.
مريم رفعت إيدها وندت على الويتر.
— “لو سمحت يا كابتن، كنسل أي حاجة لسه منزلتش. واللي نزل وحضرته، الحساب بتاعه على والدي. مش هو عيد جوازهم برضه؟”
السكوت نزل زي الصخر على الترابيزة.
بعدها بصت لسيف وقالت بصوت قوي ومسموع:
— “لابني، هطلب له وجبة موزة مشوية، وبطاطس محمرة، وعصير مانجو. ونزلهاله هو الأول لو سمحت”.
أمها حطت إيدها على صدرها بشهقة:
— “إيه لزمتها الشوشرة دي والفضايح قدام الناس؟”
— “نفس لزمة قلة القيمة اللي عملتوها مع عيل صغير”، مريم ردت وهي باصة في عينيهم.
سيف مقالش ولا كلمة. بس مسك إيد أمه من تحت الترابيزة جامد.
العزومة كملت في جو يقطع الخميرة من البيت. رانيا بتوشوش جوزها شريف. وأبوها مبصش في وشها تاني. وأمها عاملة نفسها مش شايفة ومطلعة مريم هي الغلطانة. وهي خارجة، مريم مسلمتش الهدية؛ سابتها على الرسبشن ومشت هي وسيف قبل ما حد يحاول يلبسها ذنب هي معملتهوش.
بالليل، تليفونها مهدّيش من رسايل الصوت والشتيمة المستخبية في شكل عتاب، وكلهم بيقولوا إنها نكدت عليهم في يوم “مقدس”. مردتش على حد.
بس تاني يوم الصبح، وهي بتعمل بيض بالبسطرمة لسيف، الباب اترزع بضربات قوية ورا بعض.
فتحِت، لقيت أبوها وأمها ورانيا وشريف في وشها.
أبوها دخل من غير ما يقول سلام عليكم حتى، رمى فايل على الترابيزة وقال:
— “ده حساب الخسارة اللي خسرتيهالنا النهاردة. والمرة دي مش هنسيبك تعيشي دور الضحية”.
مريم بصت للفايل، وبعدها لبنها اللي كان مستخبي ورا باب الأوضة. روايات رولا
وعرفت إنهم الصبح ده مجوش عشان يلموا فلوس وبس.
دول جوم ياخدوا منها آخر حتة كرامة لسه مكسروهاش.
كنتوا هتعملوا إيه لو ابنكم اتهان بالشكل ده قدام العيلة كلها: هكتسكتوا وتعدوا الليلة، ولا هتاخدوا موقف وتوقفوا كل واحد عند حده حتى لو العيلة كلها قلبت عليكم؟
رانيا فتحت الفايل وكأنها بتقدم دعوى قضائية في المحكمة:
— “الحساب ده 12 ألف جنيه. دلعك ومشاكلك كلفونا كتير”.
مريم حتى ملمستش الورق، وبصت لها ببرود:
— “غريبة إنك بتتكلمي عن الفلوس! تحبي نتكلم عن الشهور اللي بقالي كتير بدفعلك فيها جزء من إيجار شقتك؟”
وش رانيا اتخطف. وأمها نزلت عينيها في الأرض، وشريف جوز رانيا جز على سنانه.
أبوها اتدخل بنبرة تهديد:
— “ما تبدأيش يا مريم”.
بس مريم كانت بدأت فعلاً من ليلة امبارح. كانت فهمت إنها لو ممعهاش دليل، هيطلعوها هي المفترية واللي بتهول الأمور. عشان كده مسكت تليفونها وكلمت عمها أحمد، الوحيد في العيلة اللي كان دايماً بيصدقها ومن غير ما يطلب منها تضحي بنفسها “عشان خاطر العيلة”.
— “هما هنا يا عمي”، مريم قالت في التليفون.
— “مسافة السكة وأكون عندك”، عمها رد.
ربع ساعة وكان عمها أحمد وصل ومعاه مراته، طنط فادية. المطبخ بقى زحمة وضيق بالناس اللي فيه، بس مريم حست إن ظهرها مسنود ومش لوحدها. فتحت درج المطبخ وطلعت دوسيه أزرق.
— “دي كل التحويلات اللي حولتها. 7 شهور كاملة. إيجار، ومصاريف مدارس، وطلبات بيت، وفواتير متأخرة. المجموع 64 ألف جنيه”.
رانيا وشها جاب ألوان:
— “أنا عمر ما غصبتك تدفعي حاجة!”
— “لأ، مكانش غصب. كنتي بتقعدي تعيطي وتقولي عيالي مش لاقيين ياكلوا، وبعدها بيومين أشوف صورك في كافيهات ومطاعم في التجمع”.
أمها اتدخلت بسرعة تدافع عنها:
— “يا مريم متبقيش قاسية كده، أختك طول عمرها حساسة وبتتأثر بسرعة”.
مرت عمها فادية ضحكت بوجع وقالت:
— “حساسة؟ وسيف إيه؟ الواد الصغير ده ملوش خاطر عندكم؟ مبيتحسش بيه؟”
محدش نطق. مريم زقت الفايل اللي فيه الحساب ناحية أبوها:
— “أنا مش هتدفع مليم واحد. ومن النهاردة مش هدي رانيا جنيه تاني. ولا هقعد بعيالها لما تحب تخرج تتفسح وتسهر، ولا هشيل ديونها تاني”. روايات رولا
أبوها ضرب بإيده على الترابيزة:
— “طول ما إنتِ شايلة اسمي، تحترمي عيلتك غصب عنك!”
— “ابني هو كمان شايل اسمك، وامبارح اتعامل كأنه زيادة وملوش قيمة”.
الخناقة صوتها علي. رانيا قعدت تعيط دموع تماسيح. وأمها قالت إن مريم “قلبها أسود ومليان غل”. وأبوها هددها إنه هيقاطعها ومش هيكلمها تاني. وشريف واقف مبيتكلمش ولا بيدافع عن حد. مريم خرجتهم كلهم بره بيتها وصوتها بيترعش من كتر الضغط، بس مكانتش ندمانة على كلمة واحدة.
افتكرت إن الموضوع خلص لحد هنا.. بس مخلصش.
على مدار كام يوم، رانيا كانت نازلة تلقيح وتلميحات على الفيسبوك: “الفلوس مبتشتريش الأصول”، “في أخوات بيشوفوا نفسهم على أهلهم”. وأمها كانت بتعمل شير لبوستات عن العقوق والأولاد الناكرين للجميل. وبعدها بدأت رسايل تجيلها من ولاد عمامها وخالاتها بيسألوها إيه اللي عملته عشان “تكسر قلب أمها” بالشكل ده.
لحد ما جالها تليفون من مدرسة سيف. المديرة كلمتها بهدوء وحذر:
— “مدام مريم، احنا جيلنا بلاغ سري.. متقال فيه إن سيف بيتساب لوحده كتير، وإنك مشغولة عنه في الشغل طول الوقت، والطفل متبهدل ومهمل نفسياً”.
مريم حست إن الأرض بتلف بيها. سيف كان زي الفل؛ درجاته ممتازة، اللانش بوكس بتاعه بيجهز كل يوم، لبسه نضيف، وبتدفعله جلسات لتعديل القراءة من معاها، وعايش في بيت هادي. بس في حد وسخ استخدم اسم ابنها عشان يكسرها.
بالليل، مريم فتحت كرتونة قديمة بتدور فيها على أوراق. وسط الوصالات والصور، لقت جواب قديم مطبق، أمها كانت كاتباه من سنين. الجواب كان مكتوب فيه إن لما مريم اتولدت، أمها حست إن “البنت دي جت تاخد راحتي وتنكّد عليا” وإنها “عمرها ما هتعرف تحبها زي رانيا”.
مريم قعدت على الأرض والجواب في إيدها، وفهمت فجأة سر حياتها كلها؛ ليه كانت دايماً بتتحايل وتدفع التمن عشان تشتري حب أهلها، في حين إن أختها بتاخد الحب ده على الجاهز ومن غير ما تعمل حاجة.
في اللحظة دي، جمعت كل شاشات التحويلات، والـ screenshots، والرسائل الصوتية، والبوستات، وصورة الجواب ده.. وبعتت إيميل جماعي لكل العيلة بلا استثناء.
بعد ساعة واحدة بس، الباب خبط.
بس المرة دي، اللي كان واقف ورا الباب مكانش عيلتها.
كانوا اتنين موظفين من نجدة الطفل ووزارة التضامن بيسألوا عن سيف! روايات رولا
تفتكروا رانيا هي اللي قدرت توصل للدناءة دي وتعمل بلاغ في ابن أختها، ولا في حد تاني من العيلة بيحرك الخيوط من ورا ظهرهم؟
الجزء الأخير هيقلب الترابيزة تماماً ويغير كل اللي افتكرناه مجرد خناقة أخوات عادية..
مريم فتحت الباب وقلبها كان هيقف من الخوف. الستات بتوع نجدة الطفل والتضامن كانوا ذوق، بس كل كلمة منهم كانت نازلة عليها زي الجبل. كان في بلاغ رسمي بإهمال الطفل، وتسيبه، وإنه عايش في “بيئة نفسية مش مستقرة”. مريم كان ونفسها تصرخ وتقولهم كل ده كذب، بس خدت نفس طويل. كانت عارفة إنها لو فقدت أعصابها، يبقى بتديهم اللي هما عايزينه. سابتهم يدخلوا.
فتشوا أوضة سيف، وبصوا في كشاكيله، وفتحوا الثلاجة، وشافوا مواعيده، وعلاجه بتاع الحساسية، ولبس مدرسته. وقعدوا مع سيف لوحدهم يتكلموا معاه. سيف، بملامح جد مكنتش بتطلع منه كتير، قال الحقيقة كاملة: إن أمه هي اللي بتوديه المدرسة، وبتذاكر له، وبتعمله الشوربة لما بيمرض، وإنه بس زعلان الفترة دي عشان جده وجدته كانوا وحشين مع أمه.
واحدة من الموظفات بصت لمريم بنظرة تعاطف بشري وقالتلها:
— “احنا مش شايفين أي علامة من علامات الإهمال. بس لو جيت لنا بلاغات تانية، هنضطر نيجي نعمل فحص تاني”.
في اللحظة دي مريم فهمت إن عيلتها مش بتدور على حق، دول عايزين يعيشوها في رعب.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في نفس الأسبوع، مريم راحت لمحامية. مدخلتش عليها بتعيط، دخلت بملفات ودوسيهات. تحويلات رانيا، الرسايل اللي رانيا بتشحت فيها فلوس، فويسات أبوها وهو بيهزأها، سكرين شوتس من بوستات الفيسبوك، تقرير المدرسة، وجواب أمها القديم.
المحامية كانت واضحة وصارمة:
— “ده اسمه تتبع وترصد وتشهير. واستخدام مؤسسات الدولة عشان يضغطوا عليكي دي حاجة هيتحاسبوا عليها قانونياً”.
وبالفعل، اتبعتت لهم إنذارات رسمية: كف أذى، وتحذير من التشهير والبلاغات الكاذبة، ومنع التعامل أو الاتصال بسيف لحد ما الأمور تخلص.
وهنا حصلت مفاجأة مكنتش على البال. شريف، جوز رانيا، بعت رسالة لمريم:
“أنا مش هكدب عشانها. أمك هي اللي اقترحت حوار نجدة الطفل ده، ورانيا هي اللي اتصلت وبلغت. وأبوكي قال إن بالطريقة دي هتتربي وتعرفي قيمتهم”.
وتحت الرسالة، بعت سكرينات تانية: رانيا كانت بتستلف فلوس من قرايب كتير بنفس الحكاية؛ إيجار متأخر، العيال جعانين، ظروف وهمية.. مريم مكنتش الوحيدة اللي بتدفع، هي بس أكتر واحدة استحملت وبلعت.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بالمعلومات دي، المحامية خدت موقف أقوى بكتير. رانيا اضطرت تروح النيابة عشان تحقق في البلاغ الكاذب. والمدرسة استلمت تعليمات رسمية مكتوبة: ممنوع أي حد، كائناً من كان، يستلم سيف أو يسأل عن درجاته غير مريم وعمها أحمد بس. أبوها حاول يروح المدرسة في يوم وقال للأمن “جاي أسلم عليه بس”، الأمن منعه يدخل.
أمها كلمتها من رقم غريب:
— “يا بنتي إنتِ مأورة ومكبرة الموضوع.. أختك بتموت وبتتبهدل”.
مريم سمعت الجملة دي، ولأول مرة، محستش بذنب ولا بوجع:
— “وأنا كمان اتبهدلت يا أمي.. بس إنتِ عمرك ما دافعتي عني”.
الخط قطع وساد السكوت. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— “متكلمينيش تاني”، مريم قالتها ببرود، “ومحدش فيكم يقرب من ابني”.
رانيا خسرت دعم قرايب كتير لما الحقيقة والتحويلات ظهرت للكل. وشريف جوزها ساب البيت وانفصل عنها فترة. وأبوها وأمها مبقاش حد يعزمهم في التجمعات العائلية اللي كانوا دايماً بيبقوا محورها. محدش دخل السجن، بس كلهم دفعوا تمن أقوى وأصعب عليهم من السجن: الفضيحة، وإن وشهم اتقشر قدام الناس كلها.
مريم غيرت كوالين الشقة، وجددت أوراقها، وعملت وصية رسمية إن لو جرى لها أي حاجة، سيف يتربى في بيت عمها أحمد وزنوجته طنط فادية. مش غل ولا انتقام.. ده كان لحمايته.
بعد كام شهر، مريم خدت سيف وراحت البحر في الإسكندرية. وفي وسط النهار، وهو بيبني بيوت بالرمل، بص لها وقال:
— “ماما.. وشك مبقاش خايف زي الأول”.
مريم ابتسمت والدموع في عينيها. عشان دي كانت الحقيقة. لسنين طويلة كانت فاكرة إن البنت الطيبة هي اللي بتستحمل، وبتسلف، وبتسكت، وبتسامح قبل ما تخف من وجعها. بس في اليوم ده فهمت إن مفيش عيلة ليها الحق تاخد الحب مقابل قلة القيمة والذل.. وبالذات لما يستخدموا طفل صغير عشان يكسروا بيه أمه.
مريم مخسرتش عيلة.. مريم أنقذت عيلتها الحقيقية.
أنتم إيه رأيكم في اللي مريم عملته؟ هل هي صح، ولا كان المفروض تسامح أبوها وأمها وأختها بعد كل اللي عملوه معاها ومع ابنها؟