انتقام ام مشيره محمد

لمحة نيوز

​خرجت من الحمام وأنا واخدة قراري. القرار اللي هيخليني أدوس على قلبي بالجزامة. رجعت التربيزة، لقيتهم مسحوا ملامح التوتر ورسموا الوشوش الطيبة تاني.
​”يلا يا جماعة، أنا بجد مش قادرة، وعايزة أروح أرتاح عشان ورايا بكرا الصبح إمضا العقود مع نجوى والمشترين،” قلتها وأنا ببتسم تمثيلية قصاد تمثيليتهم.
​طارق قام بسرعة: “طبعاً يا طنط، أنا هروح أدفع الحساب وأجيب العربية ونمشي فوراً.”
​رانيا قربت مني وحضنتني: “سلامتك يا ماما، ألف سلامة عليكي.. متقلقيش من بكرة، كله هيبقى تمام.”
​الحضن ده كان أبرد حضن حسيته في حياتي.. كان شبه حضن عزرائيل.
​مشيت معاهم لحد باب المطعم. طارق قال إنه هيجيب العربية من الجراج، ورانيا وقفت معاه برة مستنيين. في اللحظة دي، وأنا واقفة في الريسبشن الداخلي للمطعم بظبط الشال على كتفي، حسيت بحركة ورايا. الويتر، مصطفى، قرب مني بسرعة، وطى راسه كأنه بيبوس إيدي أوروايات مشيره محمد بيعدل حاجة، وهمس في ودني بكلمات خلت الدم يتجمد في عروقي:
​”يا هانم.. متفضليش معاهم.. جوز بنتك حط حاجة في عصيرك ولما سألتيه غير الكاس، ولما قمتي الحمام سمعته بيقول لبنتك (لو مماتتش الليلة بالجرعة دي، هتموت بكرا بحادثة عربية قبل ما تمضي العقود.. الـ 47 مليون دول بتوعنا).. أنا بلغت شرطة السياحة والنجدة وزمانهم على وصول.. متخرجيش معاهم!”
​أنا اتسمرت في مكاني. جسمي كله تلم وخشب. الكلمات كانت بتلف في دماغي زي الإعصار.. (موت.. حادثة عربية.. الـ 47 مليون دول بتوعنا). بنتي.. رانيا اللي سهرت عليها في عياها، اللي كنت بجوع عشان تشبع، بتخطط لقتلي مع جوز الأيام ده؟
​ثواني معدودة، وقبل ما طارق يرجع بالعربية، النور الأزرق والأحمر بتاع عربيات البوليس ملى المكان برة. سرينة الشرطة قطعت هدوء الحي الراقي. الإزاز بتاع المطعم كله اتعكس عليه ضوء الفلاشات اللامعة. شفت من ورا الإزاز ظباط وعساكر بينزلوا بسرعة من العربيات، وحاصروا رانيا وطارق اللي كانوا واقفين مصدومين مش فاهمين إيه اللي بيحصل.
​دخل رئيس المباحث المطعم، وبص لمصطفى الويتر اللي شاور عليا، فقرب مني بكل احترام:
​”مدام هدى؟ أنا المقدم أحمد.. احنا جانا بلاغ بمحاولة شروع في قتل، ومعانا تسجيل وفيديو من كاميرات المراقبة الداخلية للمطعم بتثبت إن الأستاذ طارق حط مادة سائلة في كاس العصير بتاعك، وبنتك كانت معاه وشايفة.. تحبي تتفضلي معانا عشان نعمل المحضر؟”
​بصيت من ورا الإزاز.. شفت رانيا والكلابشات بتتلمس في إيديها وهي بتصرخ وتبكي وتبص ناحية المطعم وتناديني: “ماما!! يا ماما الحقينا! ده سوء تفاهم يا ماما!”.. وشفت طارق وهو وشه أصفر زي الليمونة، وجبروت كله اتمسح وبقى بيترعش في إيد العساكر.
​في اللحظة دي، كان ممكن قلبي يحن.. كان ممكن أطلع أقول للظابط ده سوء تفاهم وأقفل القضية وأحمي بنتي الوحيدة من السجن والفضيحة. بس افتكرت شكل العكار اللي كان في قعر الكاس.. افتكرت إنها كانت مستعدة تشوفني بتموت قصاد عينيها وتتفرج عليا وأنا بطلع في الروح عشان تاخد الفلوس.
​بصيت للمقدم أحمد، وبلعت ريقي، وقلت بصوت قوي، طالع من حتة ناشفة جوة قلبي عمري ما كنت أعرف إنها موجودة:
​”أنا معاك يا فندم.. وهقدم البلاغ بنفسي.. بس لو سمحت، الكاس اللي على التربيزة هناك ده، خلوه معاكم كدليل، لأن فيه سم.”
​رحنا القسم، والتحقيقات استمرت لحد الفجر. رانيا كانت بتنهار وتعترف بكل حاجة.. اعترفت إن طارق كان مديون بمليار حاجات وعليها شيكات ومهدد بالسجن، وإنهم لما عرفوا ببيعة الفنادق، طارق أقنعها إن الفلوس دي حقها، وإن لو استنينا المؤسسة الخيرية تتعمل، الفلوس كلها هتروح، وإن الموت الطبيعي بجرعة زيادة من دوا الضغط والقلب بتاعي مش هيثير الشكوك. رانيا بكت وقالت إنها مكنتش عايزة تقتلني، بس طارق ضغط عليها روايات مشيره محمد وهي وافقت عشان خايفة على بيتها وجوزها!
​يا لرخص التبرير.. تبيع أمها عشان تحمي واحد بقاله معاها خمس سنين!
​تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كنت قاعدة في مكتب نجوى المحامية. عينيا كانت منفوخة من قلة النوم والتعب، بس عقلي كان صاحي وحاد زي السكينة.
نجوى بصتلي بشفقة وحزن شديد:
​”هدى.. أنا مش عارفة أقولك إيه.. بجد صدمة عمري.. إنتي هتعملي إيه في العقود؟ نأجل البيع؟”
​وقفت بكل ثبات، وبصيت من شباك المكتب على الشارع:
​”لا يا نجوى.. مش هنأجل حاجة. المشتريين زمانهم جايين، وهنمضي العقود فوراً.. الـ 47 مليون دولار هيتحولوا كلهم للحساب اللي هقولك عليه.”
​نجوى استغربت: “حساب إيه؟”روايات مشيره محمد
​”حساب (مؤسسة رأفت وهدى الخيرية لرعاية الأيتام).. الفلوس دي كلها هتروح للغلابة والمحتاجين. الأطفال اللي معندهمش أم، يمكن يدعولي بجد.. الأطفال اللي هربيهم بفلوسي دي، مش هيطلع فيهم حد يحطلي سم في العشا.”
​نجوى دمعت: “ورانيا يا هدى؟ هتعيني لها محامي؟”
​”رانيا اختارت طريقها يا نجوى.. اختارت طارق واختارت السجن.. وأنا مش هقف في طريق اختيارها. أنا وكلت أكبر محاميين في مصر، بس مش عشان يدافعوا عنها.. عشان يضمنوا إن طارق وهي ياخدوا أقصى عقوبة في القانون.. الشروع في القتل عقوبته مش هينة.”
​مضينا العقود، والفلوس كلها اتحولت للمؤسسة. ورانيا وطارق اتسجنوا، وبقت قضيتهم رأي عام.بقلم. مشيره محمد
​مرت سنة كاملة على الليلة دي. أنا دلوقتي قاعدة في جنينة المؤسسة الخيرية اللي فتحتها في منطقة هادية على أطراف القاهرة. المؤسسة بقت بيت كبير وجميل لـ 200 طفل يتيم. قاعدين بيلعبوا حواليا، وبيضحكوا، وبينادوني “ماما هدى” بقلب صافي مفيش فيه غل ولا طمع.
​كل أسبوع، المحامي بيجيبلي تقرير عن رانيا من السجن. بتقول إنها ندمانة، وبتطلب تشوفني، وبتبكي بدل الدموع دم. بس أنا مبقاش في قلبي مكان للندم ده. أنا سامحتها بيني وبين ربنا عشان أقدر أعيش مستريحة، بس مش هشوفها تاني. العقاب الحقيقي للي يخون الأيد اللي ربته، إنه يعيش محروم من رضاها ونورها لحد آخر يوم في عمره.
​بصيت لكاس عصير الرمان اللي في إيدي، كان صافي ونظيف زي الفل، وشربت منه بوق طويل وأنا ببص للأطفال وببتسم.. دي كانت نهايتهم، وبداية حياتي الحقيقية.
#روايات #مشيره_محمد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *