انتقام ام مشيره محمد

كنت قاعدة بتعشى في مطعم شيك وغالي قوي مع بنتي وجوزها. بعد ما مشيوا، الويتر وطى عليا وهمس في ودني بكلمة خلتني أتلج في مكاني. وثواني وبقت أنوار البوليس والسرينة مالية المكان برة ومنورة الإزاز…
في سن الخمسة وستين، بعت سلسلة الفنادق بتاعتي بـ 47 مليون دولار. وعشان أحتفل بنجاح العمر وشقايا، عزمت بنتي الوحيدة على العشا. كانت الابتسامة مالية وشها وهي بترحّب بيا وبتباركلي على النجاح ده. بس أول ما تليفوني رن وقمت أرد، حصلت حاجة شقلبت حياتنا كلها. وفي اللحظة دي بالذات، بدأ عد التنازل لانتقامي الهادي والمدروس بالملي.
عمري ما كنت أتخيل إن أكتر حد بحبه في الدنيا ممكن يؤذيني عشان الفلوس، بس الدنيا ليها طرق قاسية وملهاش أمان عشان تثبتلك إن ساعات، الناس اللي ربطناهم بإيدينا بنطلع مش عارفينهم خالص.
المطعم كان من الأماكن اللي تحس فيها إن السكوت ليه هيبة، مكان فخم وهادي، الناس فيه مش بتعلي صوتها والمزيكا في الخلفية يا دوب همس كمانجات. المفارش كانت بيضا زي القشطة وزي الفل، وكل الشوك والسكاكين بتلمع تحت نور النجف الكريستال الهادي. كنت قاعدة قدام بنتي “رانيا”، عندها 38 سنة، ربيتها لوحدي بعد ما جوزي “رأفت” مات بدري وهو في عز شبابه. مات وهي عندها 12 سنة بس، وسابني أصارع مع لوكاندة صغيرة على البحر وفي نفس الوقت بربي طفلتي الصغيرة. اللوكاندة الصغيرة دي هي اللي بقت دلوقتي سلسلة فنادق “بوتيك” لسه بايعاها بـ 47 مليون دولار. كانت نهاية مرحلة وبداية مرحلة تانية خالص. سنين من الشقا المر، والليالي اللي من غير نوم، وتضحيات ملوش عدد، كل ده عشان أضمن إن بنتي تعيش أحسن عيشة ممكنة.
”في صحتك يا ماما.” رانيا رفعت كاس الشربات عينيها بتلمع بفرحة افتكرتها وقتها فخر بيا. “47 مليون! إنتي مصدقة؟ إنتي بجد مفيش منك.”
ابتسمت وأنا بخبط
كاسي اللي فيه عصير رمان في كاسها. دكتور القلب كان قاطع عليا أي حاجة فيها كافيين أو كحول؛ ضغط دمي ده زي المرجوحة ملوش أمان، وأنا باخد بالي من صحتي كويس قوي. “في صحة مستقبلنا يا حبيبتي.”
رانيا كانت زي القمر الليلة دي. كانت لابس فستان أسود شيك قوي كنت جيباهولها في عيد ميلادها اللي فات، وشعرها البني اللي شبه شعري بالظبط وأنا في سنها، كان ملموم لفوق بشكل شيك. جمبها كان جوزها “طارق”، متجوزين من خمس سنين، كان مبتسم بابتسامته الساحرة والمترتبة زيادة عن اللزوم، الابتسامة دي اللي كانت دايماً بتخليني مش مستريحة له، بس مكنتش عارفا أقول السبب إيه بالظبط.
”أنا مبسوط قوي إنك وافقتي تبيعي يا طنط هدى،” طارق قالها وهو بيرفع كاسه هو كمان. “دلوقتي بقى تقدري تنبسطي بحياتك. تسافري وتتفسحي وترتاحي، إنتي شقيتي كتير قوي.”
هزيت راسي، بس طريقته ضايقتني. كأنه كان مرتاح ومصدق مش فرحان عشاني، كأن البيعة دي بتمثّل له حاجة تانية خالص غير اللي بتمثلهالي. “أنا عندي خطط،” رديت باختصار. “مؤسسة رأفت الخيرية دي مجرد البداية بس.”
لمحت حاجة خطفت—زهق؟ قلق؟—على وش رانيا. الموضوع حصل بسرعة لدرجة إني مكنتش متأكدة. “مؤسسة؟” سألت وصوتها فجأة بقى مشدود.
”آه، هعمل مؤسسة باسم أبوكي الله يرحمه عشان نساعد الأطفال الأيتام. جزء كبير من فلوس البيعة هيروح لتمويل المؤسسة دي.”
طارق شرِق، وكان هيموت وهو بيشرب. “حاجة… عظيمة قوي،” قالها بالعافية، بس صوته كان باين فيه الصدمة مش الإعجاب. “وبكام بقى؟ يعني ناوية تتبرعي بكام بالظبط؟”
وقبل ما أرد، تليفوني رن. كانت “نجوى”، المحامية بتاعتي وأنتيمتي من سنين طويلة، ست عارفة تاريخ عيلتي حتة حتة. “لازم أرد على المكالمة دي،” قلت وأنا بقوم. “دي بخصوص التفاصيل الأخيرة للبيعة.”
مشيت لحد الريسبشن بتاع المطعم عشان الشبكة هناك أحسن. المكالمة مع نجوى كانت سريعة، يا دوبك كام تفصيل أخير بخصوص إمضا ورق نقل الملكية تاني يوم الصبح. ولما رجعت التربيزة، لمحت حاجة غريبة. رانيا وطارق كانوا بيتوشوشوا بكلام سريع ومشدود، وأول ما قربت سكتوا خالص.
”خير في حاجة؟” سألت وأنا بقعد.
”طبعاً يا ماما كله تمام،” رانيا ابتسمت، بس الابتسامة كانت باهتة وموصلتش لعينيها خالص. “كنت بقول لطارق بس أنا قد إيه فخورة بيكي.”
هزيت راسي، ومسكت كاس عصير الرمان بتاعي. كنت لسه هسف منه بوق، بس لمحت حاجة: كان فيه عكار خفيف كده في قعر الكاس، كأن في حاجة دابت بسرعة في العصير الغامق ده. حبل قلق اتلوى في بطني. حطيت الكاس تاني على التربيزة من غير ما أشرب نقطة.
”مين هيحلي؟” سألت بمنتهى البرود وأنا بغير الموضوع، بس دماغي كانت بتلف وبتفكر بسرعة الصاروخ.
العشا كمل نص ساعة كمان. طلبت عصير جديد وتحججت إن الأولاني كان مسكر زيادة عن اللزوم، وقعدت أراقبهم. قعدت أشوف ردود أفعالهم بنظرة جديدة ومرعبة. كان فيه توتر واضح ورا الابتسامت، وقلق مش عارفين يداروه في حركاتهم…
بدأت النظرات تترمي بين رانيا وطارق زي الإشارات المشفرة. طارق كان بيحاول يثبت نظرة عينه عليا، بس حركة صوابعه وهي بتلعب بالولاعة الفضة على التربيزة كانت بتفضح كل اللي جواه. ورانيا، بنتي اللي من لحمي ودمي، كانت بتبلع ريقها كل دقيقة، وتعدل في الفستان، وتبص لكاس العصير الجديد اللي الويتر جابهولي كأنها بتبص لخطتها وهي بتبوظ وتتفسخ قدام عينيها.
سألتهم ببرود يحسد عليه:
”مالك يا طارق؟ حاسك مش على بعضك من وقت ما سيرة المؤسسة الخيرية جت.. الفكرة مش عاجباك ولا إيه؟”
طارق اتعدل في قعدته بسرعة وحاول يرسم الابتسامة المترتبة إياها:
”لا طبعاً يا طنط هدى! بالعكس، دي خطوة ممتازة.. بس يعني، أنا ورانيا كنا بنفكر إن المبلغ ده ضخم قوي، وممكن جزء كبير منه يتشال لـ رانيا لتأمين مستقبلها ومستقبل أولادكم اللي جايين في السكة.. إنتي عارفة السوق والظروف مش مضمونة.”
بصيت لرانيا، مستنية أشوف رد فعلها، لقيتها هزت راسها بسرعة وقالت:
” طارق معاه حق ياروايات مشيره محمد ماما.. يعني المشروع خيري وكل حاجة وأنا فخورة باسم بابا الله يرحمه، بس مش لازم كل المبلغ ده يروح هناك.. إنتي بايعة بـ 47 مليون دولار، يعني رقم يغير حياة أجيال.”
في اللحظة دي، حسيت بنغزة في قلبي أقوى من أي وجع قلب حذرني منه الدكتور. بنتي مش بتفكر في شقايا، ولا في اسم أبوها، بنتي بتعد الفلوس وهي لسه في جيبي، وبتخطط هتاخد كام. سكتت خالص، وسبت الصمت المرعب بتاع المطعم يلفنا. الصمت اللي كنت فاكراه فخامة، طلع شبه صمت المقابر.
”كل شيء بآوانه يا حبيبتي،” قلتها وأنا بقوم وبشيل الشنطة بتاعتي. “أنا حاسة إني تعبت شوية وضغطي واطي، هروح الحمام أغسل وشي.”
قمت ومشيت خطوتين، بس مروحتش الحمام. لفيت ورا عمود رخام كبير قريب من التربيزة، واستخبيت في ضله. قلبي كان بيدق زي طبول الحرب. بصيت عليهم من بعيد.. رانيا كانت بتعيط وصوتها مكنش طالع، بس ملامحها كانت منهارة، وطارق كان ماسك دراعها بقوة وبيتكلم بغل وعصبية.
لمحت الويتر، شاب أسمر ملامحه مصرية أصيلة، اسمه “مصطفى” زي ما قريت على بطاقته، كان واقف قريب من تربيزتهم وبيلم الأطباق، وعينه كانت عليهم، وشكله سمع كلامهم. رجعت بسرعة على الحمام عشان مياخدوش بالهم، وقفت قدام المراية وبصيت لوشي.. الوش اللي حفرت فيه السنين علامات التعب والشقا عشان خاطر “رانيا”. افتكرت اللوكاندة الصغيرة في العجمي، لما كنت بكنس وأمسح بإيدي، وأطبخ للزبائن، وأسهر للفجر عشان أدير الحسابات، وفي نفس الوقت أصحى الصبح بدري أأكلها وأوديها المدرسة. كل ده عشان في الآخر تحطلي سم في العصير؟