بعد الطلاق

أحمد. مكنش فيه صوت مسموع غير صوت كعوب جزم الستات وهي بتخبط في الأرض الرخام. الضحك اختفى، والتريقة اتمحت، والوجوه كلها بقت باهتة ومصدومة.
أحمد نزل من عربيته وهو بيعدل جاكيته ب حركة لا إرادية، بس المرة دي إيده كانت بترتعش. بص لأمه، الحاجة فوزية، اللي كانت واقفة بوزها شبرين، وعينيها بتلف في المكان بجنون، كأنها بتدور على أي غلطة أو دليل يثبت إن اللي شايفاه ده كابوس ومش حقيقة.
باكينام أخت أحمد قربت من أمها وهمست بصوت واطي ومبحوح ماما.. هو إحنا جينا العنوان الصح؟ دي فيلا هناء؟ هناء مين؟ هناء اللي كانت بتجيب لبسها من العتبة؟
الحاجة فوزية برقت لها وقالت بغل مكتوم اسكتي خالص يا باكينام.. خلينا نشوف آخرة اللعبة دي إيه. تلاقيها مأجرة المكان ده بقرشين من ورا المؤخر عشان تعمل شو، أو لقت لها مغفل ضحكت عليه.
أحمد مشي خطوتين لقدام، وبص على باب القصر الضخم اللي اتفتح فجأة.
ظهور هناء الشربيني
من جوة القصر، خرجت هناء.
لكن مكنتش هناء اللي يعرفوها. مكنتش الست اللي وشها دبلان من النكد، ولابسة عباية عادية، ورابطة شعرها بإيشارب بسيط.
كانت واقفة بكل شموخ، لابسة فستان حرير طويل بلون زمردي غامق، متفصل عليها مخصوص ببساطة متناهية بس ينطق بالفخامة. شعرها كان متصفف بطريقة راقية، وفي إيدها ساعتها الرولكس الكلاسيكية اللي تمنها يعدي ملايين. مكنتش حاطة مجوهرات كتير، بس الخاتم الألماظ اللي في إيدها كان كفيل يخطف العين من على بعد مترين.
ملامحها كانت هادية، مفيش فيها أي غضب، ولا شماتة رخيصة.. كانت ثقة مطلقة.
قربت منهم بخطوات بطيئة وموزونة، وقفت على أول درجات السلم الرخام، وبصت لهم كلهم، من أول الحاجة فوزية لحد أصغر عيل في العيلة.
أهلاً وسهلاً بيكوا في بيتي، هناء قالتها بنبرة صوت واضحة ومستقرة، صدى صوتها كان بيرن في المكان. نورتوا التجمع.. اتفضلوا جوة، الغدا جاهز.
أحمد مكنش قادر يمسك نفسه، مشي خطوتين بسرعة ووقف قدام السلم، وبص لها بعيون مليانة غيط وذهول هناء! إيه المهزلة دي؟ أنتِ جبتي الفلوس دي كلها منين؟ والمكان ده بتاع مين؟ أنتِ فاكرانا هبل وهتضحكي علينا بالمنظر ده؟
هناء بصت له من فوق لتحت ببرود يجلّط، وابتسمت ابتسامة خفيفة اتفضل جوة يا أحمد، ميتصحش نتكلم في الواقف وقرايبك واقفين في الشمس.. اتفضلوا.
صدمة الصالون الكبير
دخلت العيلة ورا هناء وهم حاسين بصغر حجمهم وسط السقوف العالية والنجف الكريستال اللي نازل من السقف كأنه شلالات ضوء. الصالونات كانت من أفخم الماركات العالمية، واللوحات اللي على الحوائط كانت لوحات أصلية لرسامين مشهورين.
الحاجة فوزية قعدت على طرف الكنبة الرخام وهي حاسة إن الكرسي اللي قاعدة عليه يشتري شقتها كلها. مكنتش قادرة تنطق، بس عينيها كانت بتطق شرار.
في اللحظة دي، دخل راجل عجوز وقور، شعره أبيض بالكامل، لابس بدلة شياكة جداً، وفي إيده عصاية أبنوس بمقبض فضي. أول ما هناء شافته، ابتسمت بحب وراحت وقفت جنبه وأخدت إيده.
الراجل ده كان الحاج إبراهيم الشربيني.. حوت سوق الحديد والعقارات في مصر، الراجل اللي اسمه لوحده بيهز البورصة.
أحمد أول ما شافه، ركبه خبطت في بعضها. هو ك رجل أعمال على قده بيحاول يكبر، كان حلم حياته بس يقعد مع الحاج إبراهيم خمس دقائق عشان ياخد منهروايات مشيره محمد توكيل أو صفقة توريد.
حاج.. حاج إبراهيم الشربيني؟ أحمد قالها بصوت متقطع وهو بيقوم يقف برعب.
الحاج إبراهيم بص لأحمد بنظرة حادة وباردة، ومشي بالعصاية بتاعته لحد ما قعد على الكرسي الكبير في صدر القاعة. وقال بصوت جهوري اقعد يا باشمهندس أحمد.. اقعدوا يا جماعة، متتخضوش.. أنا في بيت بنتي وحيدتي.. هناء.
الحقيقة المُرّة
الكلمة نزلت على عيلة أحمد زي الصاعقة.
بنتي وحيدتي؟
الحاجة فوزية حست إن دقات قلبها وقفت، وبصت لهناء وهي مش مصدقة بنتك؟ هناء بنتك أنت؟ دي.. دي كانت بتقول إنها من منطقة شعبية، وأبوها راجل على قد حاله وعنده دكانة صغيرة!
هناء ضحكت ضحكة رقيقة وقعدت جنب والدها فعلاً يا طنط فوزية.. بابا فعلاً بدأ من منطقة شعبية، وكان عنده دكانة حديد صغيرة من أربعين سنة قبل ما ربنا يفتحها عليه ويبقى الشربيني للحديد. وبابا طول عمره مربينا على العيشة البسيطة، ومحبش يظهر في الإعلام ولا يحب المنظرة.
الحاج إبراهيم كمل الكلام وهو بيبص لأحمد بعيون زي الصقر لما أحمد اتقدم لبنتي، أنا اللي شرطت عليها متقولش إحنا مين، وطلبنا منه مهر بسيط وشبكة عادية، وقولنا نسيبها تعيش عيشة عادية عشان أشوف الراجل اللي هي صانته واختارته، هيصونها لشخصها ولا طمعان في فلوس أبوها؟
هز الحاج إبراهيم راسه بأسف وسخرية لكن للأسف.. طلعتم عيلة قشرة.. عشتوا خمس سنين بتتفشخروا بقرشين وتذلوا بنتي وتعايروها بفقر هي أصلاً متخلقش حواليها.. كنتوا فاكرين إنكم بتكرموها لما بتجيبوا لها فستان ماركة، ومكنتوش تعرفوا إن مجوهرات بنتي اللي في الخزنة هنا تشتري شركاتكم ومحلاتكم دي كلها.
أحمد وشه بقى لونه أزرق، وبص لهناء برجا وسفالة هناء.. أنتِ.. أنتِ ليه مخبيتي عليا حاجة زي دي؟ أنا جوزك! أنا حبيبك! مكنش ينفع تعملي فيا كده!
هناء بصت له بنظرة خالية من أي مشاعر جوزي اللي كان بيضحك لما أمه تقول عليا بيئة؟ جوزك اللي وافق يطلقني ويرميني في الشارع بشنطة هدومي وهو فاكر إني هضيع من غيره؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *