ترك زوجته

ساب مراته الحامل عشان كذبة واحدة، وبعد 5 سنين أخوه وقع في شر أعماله وغلط الغلطة القاتلة
الليلة اللي “أحمد الشناوي” لم فيها شنطته ومشي وساب مراته الحامل، “مي” لا صوّتت، ولا جريت وراه، ولا حتى اترجته مرتين.
وقفت حافية في وسط صالة الشقة الدوبلكس بتاعتهم في الزمالك، حاطة إيدها على بطنها اللي بدأت تظهر فيها ملامح الحمل، وبتتفرج على الراجل اللي حبته أكتر من أي حد في الدنيا وهو بيشيل شنطة جلد سودا من جنب الباب.
بره، المطر كان نازل على القاهرة في هدوء تام، ومخلي الواجهات الإزاز بتاعة الدور الـ 34 قالبة زي المراية. وفي المراية دي، مي شافت واحدة تانية خالص متعرِفهاش. وش باهت، شعر أحمر غامق متبهدل، وبلوفر أبيض واسع ومشدود على بطنها. عينيها كانت واسعة ومبرقة.. بس ناشفة من الدموع.
أما أحمد، عينه مكنتش ناشفة.
وده أكتر حاجة كسرتها.
كان باين زي الراجل اللي بيهرب من حريقة هو اللي ولعها، بس لسه مقتنع إن في حد تاني هو اللي رمى الكبريت.
همست وهي بتترعش: “أحمد.. عشان خاطري، كلمه بس واسمعه.”
إيده اتشدت أكتر على يد الشنطة.
“أنا شفت الصور بنفسي.”
“ما أنا قولتلك ده يطلع مين!”
“انتي قولتيلي حكاية من حكاياتك.”
“ده ابن خالي!”
أحمد لف وشافها، والوجع اللي في وشه كان حقيقي وصعب لدرجة إن مي في ثانية واحدة حست بالشفقة عليه.. أو كانت هتحس.
وقال وجملته نزلت عليها زي حكم الإعدام: “أخويا عمره ما يتبلى عليكي في حاجة زي دي.”
مي بصتله بذهول: “يعني ‘كريم’ يجيلك يقولك إني خونتك فتصدقه.. وأنا أقولك مظلومة تطلعني كدابة؟”
ملامحه اتهزت.
قربت منه، قربت لدرجة إنها شافت الهالات السودا تحت عينيه، وشمت ريحة سقعة الشارع اللي كانت لازقة في جاكت بدلتها. “أنا بطني فيها بنتك.”
“عارف.”
صوتها اتكسر لأول مرة: “لأ.. إنت مش عارف.”
في لحظة، شكله كان هيحدف الشنطة من إيده، ويمشي خطوات ويخد وشها بين إيديه ويمسح الـ 24 ساعة اللي فاتوا دول باعتذار واحد..
بس تليفونه فجأة رن وهز الصمت.
بص في الشاشة.
مي شافت اسم “كريم” بينور.
وفي ثانية، كل حاجة جوه أحمد اتقفلت تاني.
وقال: “أنا مش قادر أكمل في ده.”
“قصدك مش عايز.”
مردش عليها.
فتح الباب، ودخل هوا ساقع سحب معاه طرف كتاب “أسامي بنات” كان محطوط على الترابيزة.. كتاب كانوا معلمين فيه بالقلم الأزرق على تلات أسامي الليلة اللي قبلها بس:
ليلي.
فريدة.
صوفيا.
قال بصوت واطي ومكتوم: “المحاميين هيكلموكي.”
ومشي.
الباب اتقفل بتكة صغيرة وهادية.. ودي كانت أقسى حاجة في الموضوع. مي كانت مستنية رقعة باب جامدة، صوت عالي يتماشى مع المصيبة اللي بتحصل، بس نهاية جوازها كانت هادية ومؤدبة زيادة عن اللزوم.
فضلت واقفة مكانها مابتتحركش لفترة طويلة.
أنوار القاهرة بره كانت بتلمع وشكلها جميل بس بارد.. العربيات زاحمة كورنيش النيل، وأبراج المعادي والزمالك بتنور وتطفي في الضلمة. في مكان ما تحت، كان في ناس بتضحك.. وفي مكان تاني، أكيد في اتنين حابين بعض ماشيين تحت المطر وفاكرين إن الحب بيخلي البني آدم شجاع.
مي قعدت على الكنبة براحة وبحذر شديد، كأنها خايفة لو اتهبدت، البنت اللي في بطنها تتكسر.
وبعدين بصت للباب وفهمت حاجة بنظرة واضحة وباردة عاشت بيها الـ 5 سنين اللي بعد كده..
أحمد م مشيش عشان الصور.
أحمد مشي عشان لما الحقيقة وقفت قدامه والكذبة جت من أخوه.. هو اختار يصدق الكذبة.
أحمد الشناوي كان عنده 36 سنة، ومعاه فلوس تعيشه هو وعياله عشر تترات قدام. من 8 سنين، بدأ شركة “الشناوي للبرمجيات” (Whitman Systems) في أوضة متأجرة فوق ورشة تصليح في السيدة زينب.. مكتب مستعمل، ولاب توبين، ويقين غريب جوه دماغه إن المستشفيات في مصر بتغرق في السيستم والبرامج البايظة.
على ما قابل مي، شركته بقت واحدة من أسرع شركات التكنولوجيا الطبية نمواً في البلد. وعلى ما اتجوزها، صورته كانت على غلاف مجلات البيزنس، لابس بدلة كحلي متفصلة وجنبها عناوين بتتكلم عن “الرؤية، الالتزام، والعبقرية”.
بس مي حبت الراجل اللي ورا كل الظهورة دي.
الراجل اللي كان بيروح يزور والدته “الحاجة إجلال” كل يوم جمعة في منطقتهم القديمة ويصلح اللمبة المحروقة بإيده مع إنه يقدر يشتريلها عمارة باللي فيها. الراجل اللي شايل صورة والده الله يرحمه في محفظته. والراجل اللي لما بيتكلم عن أخوه الصغير “كريم”، بتتكلم معاه دقات قلبه بولاء أعمى يخوف.
أحمد قالها مرة زمان: “إحنا عشنا ووقفنا على رجلينا عشان كنا ساندين بعض.. لما أبويا مات، مكناش غير أنا وأمي وكريم. كان لازم أشيله.”
وفعلاً شاله.
أحمد دفع مصاريف جامعة كريم كاملة بعد ما كريم اترفد وضيع المنحة بتاعته. واداله شغل بعد ما كريم فشل في مشروعين ورا بعض. وعينه نائب رئيس قطاع التسويق في الشركة لأن كريم كان واد لَبِق، سريع البديهة، دمه خفيف، وبيعرف ياكل عقول الناس في الاجتماعات والشركات الكبيرة بكلمتين.
كل الناس كانت بتموت في كريم.
ومي حاولت تحبه كأخ..
بس في الأول، كانت بتحس إن هظاره حامي زيادة عن اللزوم، سلاماته وتقليبه في الكلام في وسط العزومات فيه شوية شو تظاهري، ومدحه ليها قدام الناس مسموم. كان دايماً يناديها “يا فنانة” عشان هي كانت شغال مصممة جرافيك قبل ما تتجوز أحمد، واللقب ده دايماً كان بيفكرها إنها داخلة عالمهم من بره.
كريم قالها مرة في حفلة خيريّة وهو بيشرب عصير: “انتي وشك حلو عليه.. أحمد كان خلاص داخل في مرحلة صعبة قبل ما تظهري.”
سألته: “صعبة ازاي؟”
رد بابتسامة صفرا: “كان شايف نفسه وشايف إنه مفيش منه اتنين.”
ضحكت وقتها عشان كل اللي قاعدين ضحكوا..
بس بعدين، تمنت لو كانت ركزت في السِـم اللي ورا الكلمتين.
الصور ظهرت قبل يومين بس من مشي أحمد.
كريم دخل مكتب أحمد يوم تلات بعد الضهر، قفل الباب وراه، وحط تليفونه على المكتب كأنه بيقدم حرز في النيابة.
وقال بنبرة حزينة: “أنا كاره نفسي إني أنا اللي هوريك ده.”
أحمد رفع عينه من على عقد كان بيمضيه: “هوريني إيه؟”
وش كريم كان متفصل على الحزن.. حزن الأخ الخايف على أخوه، النوع اللي يخليك تصدقه غصب عنك عشان باين عليه مكسور من الواجب اللي بيعمله.
“بص بنفسك.”
أول صورة كانت لـ مي قاعد في مطعم في المعادي، قاعدة قدام راجل أحمد عمره ما شافه في حياته. كانت بتضحك، والراجل ده كان حاطط إيده فوق إيدها.
التانية وهي واقفة معاه بره تحت مظلة المطعم والمطر شغال.
التالتة وهي بتركب معاه عربيتة.
أحمد حس إن الأوضة بتضيق عليه والحيطان بتقرب..
وسأله وصوته مخنوق: “مين ده؟”
الجزء الثاني والأخير:
كريم طلع نفس طويل وقال: “أنا اضطريت أجيب حد يراقبها بعد ما الناس بدأت تتكلم.”
أحمد رفع عينه بحدة: “ناس مين؟ وبيتكلموا عن إيه؟”
“إن مي بتقابله كل أسبوع في مداراة.”
وزق صورة رابعة على المكتب.. أحمد بحلق فيها؛ الراجل كان حاطط إيديه براحة على كتف مي، المنظر كان فيه حِميمية.. حميمية زيادة عن اللزوم تقطع القلب.
أحمد سأله وهو مش قادر يتنفس: “إنت متأكد إن الصور دي حقيقية مش متفبركة؟”
كريم هز دماغه بثقة: “أنا خليت ناس بتفهم في الجرافيك تتأكد منها بنفسها..” وسكت ثواني عشان يسيب الشك يأكل في دماغ أحمد، وكمل بصوت مكسور: “أنا نفسي مكنتش عايز أصدق.”
الليلة دي، أحمد واجه مي بالصور..
مي بصت للصور بذهول حقيقي وعدم فهم، وبعدين ملامحها ارتاحت وقالت براحة: “يا نهار أبيض! ده دانيال.. ابن خالي!”
“ده لسه منقول القاهرة من الإسكندرية بقاله شهرين، ومامته وخالتي توأم.”
أحمد كشر وعقد حواجبه: “وطالما هو ابن خالك، مقولتليش ليه؟”
“أنا قولتلك والله! إنت قابلته بنفسك في عزومة الغدا بتاعة العيلة في شهر 6 اللي فات.”
أحمد حاول يفتكر، بس الذاكرة كانت بيضا.. في اليوم ده كريم كان واخد كل وقته ومشتته مع مستثمرين وجايبهم لحد العزومة.
أحمد قال بنشافية: “أنا مش فاكر إني قابلته.”
ردت عليه وهي بتمسك إيده: “مش معنى إنك مش فاكر يبقى محصلش.. كلم خالتي دلوقتي، أو كلم دانيال نفسه، هيقولوا لك نفس الكلام.”
وقبل ما أحمد ينطق بكلمة، تليفونه رن.. كان كريم.
رد تلقائي.. وصوت أخوه جاه واطي ومسموم: “أوعى تخليها تكل بعقلك وتثبتك.. هتكر الحكاية وتعمل مش عارفاها، ده اللي كل الخاينين بيعملوه.”
أحمد قفل السكة من غير ما يرد.. بس السِـم كان خلاص جرى في دمه.
الأمان اتهز، والشك بقى يقين.. وفي أقل من 24 ساعة، كان لالمم شنطته وماشي.
مرت 5 سنين..
شركة “الشناوي للبرمجيات” بقت شركة عالمية قيمتها بمليارات الجنيهات، وأحمد الشناوي بقى واحد من أشهر وأنجح رجال الأعمال في مصر.. بس كل نجاح كان بيحققه كان طعمه ماسخ وفاضي من جوه. عمره ما اتجوز تاني، وكريم كان دايماً ضله في كل حفلة وفي كل نجاح.
لحد ما جه يوم في الخريف..
لجنة المراجعة والحسابات في الشركة طلبت فحص روتيني لمصاريف حسابات المديرين الكبار.. مكنش في حد متوقع أي مشكلة، الشغل كله ماشي بالمسطرة.
لكن المحاسبين القانونيين بتوع “الشرعي والمراجعة الفنية” وقع في إيديهم ملف قديم لطلب استرداد مصاريف من 5 سنين فاتوا..
لقوا تحويل مالي.. مدفوع لـ “مكتب تحريات وتجسس خاص”.
اللي ممضي على الشيك ومعتمد الصرف: كريم الشناوي.
والبند مكتوب فيه أربع كلمات بس، كانوا هما الغلطة القاتلة اللي نسفت كل حاجة:
“مراقبة منزلية وفبركة صور.”
أحمد لما شاف التقرير، الدنيا لفت بيه، وعرف في لحظة إنه ضيع مراته وبنته بأرخص كذبة في حياته.. وطبعاً الحقيقة ظهرت إن كريم عمل كل ده عشان يفضل هو الوحيد اللي مسيطر على أحمد وعلى فلوس الشركة ومفيش زوجة تشاركه فيه.
أحمد طرد كريم من الشركة وفضح أمره، وبدأ رحلة تانية خالص عشان يدور على مي وبنته “ليلي” اللي بقوا في حتة تانية خالص، وبيحاول يطلب سماحهم.. بس بعد ما دفع تمن غالي أوي للثقة العمياء.
أحمد الشناوي وقف في مكتبه والصدمة شلت حركته، والتقرير اللي في إيده كان بمثابة رصاصة لسه مخرجة من مسدس كريم. الأربع كلمات (“مراقبة منزلية وفبركة صور”) قفلوا القصة اللي عاشها خمس سنين في وهم الخيانة. أحمد مكلّمش كريم، ولا عاتبه. طلب الأمن فوراً، وكريم اتطرد من المبنى قدام الموظفين كلهم، ومعه قرار بحظر دخوله لأي فرع من فروع الشركة مدى الحياة، واترفعت عليه قض*ية تزوير واختلاس فلوس الشركة لتصفية حسابات شخصية.
رحلة البحث عن “مي”
بعد ما طرد أخوه، أحمد بدأ يدور على مي، بس اكتشف إنها اختفت تماماً من خمس سنين؛ غيرت أرقامها، نقلت من شقتها، ومسحت أي أثر يربطها بحياته القديمة.
وبعد شهور من التدوير، لقاها…
المكان: أتيليه صغير ومحل تصميمات في شارع هادي بمصر الجديدة.
المشهد: مي كانت واقفة بتضحك، وبنت صغيرة عندها حوالي 4 سنين، شعرها أحمر غامق زي مامت المطر، بتجري حواليها وبتناديها “مامي”.
الاسم: البنت كان اسمها ليلي… الاسم الأول اللي علموا عليه باللون الأزرق في ليلة الفراق.
المواجهة الأخيرة
أحمد دخل المحل، ورجله مش شايلاه. مي أول ما شافته، ضحكتها اختفت، وملامحها اتتحولت لبرود تام، بس مكنش فيه خوف في عينيها.
أحمد نزلت دموعه وقال بصوت مكسور: “أنا عرفت كل حاجة.. كريم اللي عمل كده.. أنا آسف يا مي، أنا غبي.”
مي بصتله بهدوء وقالت جملة واحدة نهت كل حاجة: “أنا ميهمنيش كريم عمل إيه يا أحمد.. أنا اللي كسرني إنك صدقته هو وكدبت عينيا أنا وبنتك.. إنت مشيت عشان كنت عايز تمشي.”
أحمد فهم وقتها إن فيه كسر في القلوب مبيصلحوش اعتذار. مي م رجعتلوش كزوجة، ورفضت تاخد منه مليم واحد لنفسها، بس سمحتله بعد عذاب طويل إنه يشوف بنته “ليلي” كأب.. يدفع مصاريفها، ويحضر معاها أعياد ميلادها، بس وهو واقف على الهامش.. يشوف مراته اللي ضيعها بتعيش حياتها من غيره، ويبص لكريم اللي خسر كل حاجة، ويعيش هو بقية عمره شايل تمن الغلطة القاتلة والثقة الأعمى.