أمراه حامل

العنوان امرأة حامل بلا مأوى تحل أزمة مالية بملايين الجنيهات فيغيّر مدير تنفيذي حياتها
الجزء الأول
لم يلتفت أحد لتلك المرأة الحامل الجالسة بجوار حائط متشقق إلى أن توقفت سيارة سوداء فاخرة أمامها مباشرة.
في شارع التسعين بالقاهرة الجديدة، كان الناس يمشون بسرعة، يحملون القهوة في أيديهم، وهواتفهم الحديثة في الأخرى، والعجلة تملأ عيونهم. لم يكن لدى أحد وقت ليرى فتاة بثوب قديم، وحذاء متّسخ، وحقيبة ممزقة تحتضنها كأنها آخر ما تملك في الدنيا.
كان اسمها ريم حسن. تبلغ من العمر 26 عامًا، في شهرها السابع من الحمل، وتحمل دفتراً قديماً للمحاسبة كادت أطرافه أن تتفتت بين أصابعها. داخل هذا الدفتر كانت هناك معادلات، وتمارين، وملاحظات من أيام الجامعة وبعض الجمل التي كتبتها حين كانت تظن أن حياتها ستكون مختلفةوظيفة محترمة، راتب ثابت، وبيت بنوافذ نظيفة.
أما الآن فكانت تنام حيثما استطاعت.
أحيانًا تحت مظلة موقف أتوبيس أحيانًا أمام صيدلية مغلقة وأحيانًا بجانب هذا الحائط، حيث لا تطردها الشرطة إن لم تكن تُعيق الطريق.
كان الناس يرمون لها بعض النقود دون أن ينظروا إليها وآخرون يغيرون طريقهم كأن الفقر مُعدٍ.
مرّ رجل أنيق ذلك الصباح وقال باستخفاف عيب صغيرة في السن وضاعت كده.
خفضت ريم رأسها.
تعلمت أن الرد لا يجلب سوى الألم.
وضعت يدها على بطنها تحركت الطفلة بداخله بهدوء، كأنها تذكرها أن هناك حياة لا تزال تنبض وسط هذا الظلام.
إن شاء الله نبقى بخير أوعدك يا بنتي.
لكن حتى هي شعرت أن وعدها ضعيف.
وفجأة سمعت صوت محرك.
توقفت سيارة مرسيدس سوداء بجانب الرصيف. نزل السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي. خرج رجل طويل، يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وساعة فاخرة، وحذاء يلمع.
الناس نظروا إليه فورًا بعضهم تعرف عليه.
إنه كريم الجارحي، مؤسس شركة الأفق للاستثمار

والمحاسبة والعقاراتشركة تشغل عدة طوابق في برج زجاجي ضخم في القاهرة الجديدة. اسمه يظهر دائمًا في المجلات الاقتصادية والندوات.
لكن ريم لم تكن تعرفه.
كل ما رأته رجل من عالم آخر يتجه نحوها.
فشدّت الحقيبة أكثر إلى صدرها وقالت بسرعة أنا معملتش حاجة غلط أنا همشي.
توقف على مسافة مناسبة وقال بهدوء أنا مش جاي أطردك.
رفعت رأسها بحذر.
لم ينظر إليها باشمئزاز ولا بشفقة. بل نظر إليها وكأنه يراها فعلًا.
جعانة؟
كان السؤال أقوى من أي إهانة.
لم يسألها أحد ذلك منذ أسابيع.
حاولت أن ترد لكن صوتها خانها. فاكتفت بهز رأسها.
نظر إلى السائق ودّينا على الشركة واطلب أكل سخن.
تراجعت ريم لا مينفعش أروح معاك أنا معرفكش.
عندك حق مش لازم تثقي فيّ. بس تقدري تاكلي في مكان آمن وبعدها تقرري تمشي.
تحركت الطفلة داخلها مرة أخرى
أغلقت ريم عينيها.
الجوع والتعب وشعور خافت بالأمل كلهم غلبوها.
بعد دقائق، كانت جالسة داخل السيارة المكيّفة، ممسكة بحقيبتها. رائحة الجلد النظيف جعلتها تشعر أنها لا تنتمي لهذا المكان كأنها بقعة في صورة فاخرة.
أنا كريم. ريم قالتها بصوت خافت. اسم جميل.
لم تعرف ماذا تقول.
عندما وصلوا إلى البرج، نظر الموظفون إليها بدهشة. حاولت سكرتيرة أن تخفي انزعاجها يا فندم الاجتماع بدأ.
يخلوهم يستنوا عشر دقايق وهاتوا أكل لمدام ريم.
في المكتب، أحضروا لها شوربة ساخنة، وأرز، وفراخ، وعصير. تمتمت بدعاء قبل أن تأكل وعندما دخل الدفء جسدها، امتلأت عيناها بالدموع.
تظاهر كريم بمراجعة أوراقه حتى لا يحرجها.
لكن من غرفة الاجتماعات بدأت تصل أصوات متوترة
الميزانية مش مظبوطة. راجعناها 4 مرات. لو سلمناها كده هنخسر الصفقة.
توقفت ريم عن الأكل.
أرقام
أخطاء
ميزانيات
كلمات من حياة ظنت أنها انتهت.
دون وعي، أخرجت دفترها القديم ووقفت.
حاولت السكرتيرة إيقافها يا آنسة مينفعش تدخلي.
لكن ريم كانت قد دخلت بالفعل.
ساد الصمت.
مديرون محاسبون شركاء ينظرون إليها بدهشة. امرأة حامل بملابس متسخة تحمل دفترًا ممزقًا أمام شاشة مليئة بملايين الأرقام.
ضحك أحدهم بسخرية ده هزار؟
دخل كريم خلفها سيبوها تتكلم.
ابتلعت ريم ريقها كانت خائفة قدماها ترتجفان
لكن عندما نظرت إلى الأرقام
اختفى الخوف.
اقتربت من السبورة وأمسكت القلم
الغلط هنا أشارت إلى سطر معين إنتوا كررتوا إدخال المخزون مرتين وبعدها حاولتوا تصلحوا الفرق بتعديلات ملهاش لازمة عشان كده الحساب كله باين غلط.
اختفت الابتسامة من وجه المدير.
مسحت رقمين وأعادت ترتيب الأعمدة وكتبت معادلة جديدة.
كانت تتحرك بثقة.
لم تعد تلك المرأة المنسية على الرصيف
بل الطالبة المتفوقة التي كانت تحل أصعب المسائل قبل الجميع.
راجع أحد المحاسبين لحظة عندها حق.
فتح آخر الملف الميزانية اتظبطت فعلًا!
امتلأت الغرفة بالهمسات.
نظر كريم إليها بدهشة واضحة.
وضعت ريم القلم
كانت تنتظر أن يُكذبها أحد أن يُخبرها أنها مخطئة أن مكانها ما زال في الخارج
لكن
لم يفعل أحد.
لأول مرة منذ زمن طويل
كانوا ينظرون إليها
باحترام.
الجزء الثاني
ساد الصمت لثوانٍ لكن هذه المرة لم يكن صمت سخرية، بل صمت دهشة.
أحد كبار المحاسبين اقترب من الشاشة مرة أخرى، أعاد الحسابات بتركيز شديد، ثم قال بصوت واضح الأرقام مظبوطة 100 مفيش أي خطأ.
مدير آخر خلع نظارته وهو ينظر إلى ريم وكأنه يراها لأول مرة إزاي؟!
أما الرجل الذي سخر منها منذ دقائق، فخفض رأسه دون أن ينطق.
وقفت ريم مكانها، لا تعرف ماذا تفعل قلبها يدق بسرعة، ويدها ما زالت ترتجف.
كريم الجارحي كان يراقب كل شيء بعينين ثابتتين ثم قال بهدوء الاجتماع خلص.
نظر الجميع إليه بدهشة.
الحسابات اتعدلت والصفقة مش هتضيع. كفاية كده النهارده.
بدأ الحضور يجمعون أوراقهم، لكن نظراتهم لم تفارق ريم. لم تعد تلك الفتاة التي دخلت عن طريق الخطأ بل أصبحت محور الحديث.
خرج الجميع تدريجيًا وبقيت ريم وحدها في الغرفة، تشعر وكأنها لا تزال تحلم.
دخل كريم وأغلق الباب خلفه.
اقترب منها بخطوات هادئة درستِ محاسبة؟
هزّت رأسها آه كنت في كلية تجارة قسم محاسبة.
كنت؟
سكتت لحظة ثم قالت بصوت منخفض ما كملتش.
نظر إليها منتظرًا أن تكمل لكنها لم تفعل.
لم يسألها لماذا.
بدلًا من ذلك، قال الطريقة اللي حلّيتي بيها المشكلة مش حاجة سهلة. الفريق هنا بقاله يومين مش عارف يوصل لحل.
خفضت ريم عينيها الأرقام لما بتتلخبط أنا بعرف أرتبها.
ابتسم ابتسامة خفيفة واضح.
سكت لحظة ثم قال عندك شغل؟
ضحكت ريم ضحكة خفيفة ممزوجة بالألم أنا حتى معنديش مكان أنام فيه.
لم يتغير تعبيره كأنه توقع الإجابة.
اشتغلي هنا.
رفعت رأسها بسرعة، وكأنها لم تسمع جيدًا إيه؟
وظيفة مؤقتة لحد ما نرتب وضعك. تساعدي فريق المحاسبة في المراجعة.
تراجعت خطوة أنا شكلي كده والناس هنا
الناس هنا شغلها أرقام مش تحكم على الناس.
سكتت.
كان العرض أكبر من قدرتها على التصديق.
وهيوفروا لك مكان تقعدي فيه مؤقتًا.
اتسعت عيناها مكان؟
شقة صغيرة تابعة للشركة. آمنة ونضيفة.
وضعت يدها على بطنها دون وعي.
طفلتها تحركت مرة أخرى
وكأنها توافق.
لكن الخوف عاد فجأة ليه بتعمل كده؟
سؤال مباشر بلا مجاملة.
نظر إليها كريم للحظات ثم قال لأنك تستحقي فرصة.
هزّت رأسها ببطء الناس مش بتدي فرص ببلاش.
عندك حق قالها بهدوء عشان كده أنا مستني منك تشتغلي بجد.
صمتت تفكر.
كل شيء داخلها كان يصرخ احذري لكن شيء آخر أعمق كان يقول دي فرصتك الوحيدة.
رفعت عينيها نحوه موافقة.
لأول مرة ابتسم كريم بوضوح تمام.
بعد ساعة
كانت ريم تقف أمام باب شقة صغيرة لكنها نظيفة ومرتبة، في حي هادئ قريب من الشركة.
أعطاها الموظف المفتاح أي حاجة تحتاجيها، كلمي الإدارة.
دخلت ببطء أغلقت الباب خلفها
ثم نظرت حولها.
سرير.
مطبخ صغير.
حمام
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *