فضيحه في يوم الفرح مشيره محمد

​فاضل ربع ساعة بس على كتب الكتاب، ولقيت أبويا وأمي مستخبيين ورا عمود رخام كبير، قاعدين على كرسيين بلاستيك من بتوع الفراشة الرخاص، في نفس الوقت اللي عيلة خطيبي الأغنياء قاعدين فيه في أول صف زي الملوك ورافعين راسهم لفوق. أمي هبشت في إيدي وهمست لي: “عشان خاطري يا بنتي بلاش تنكدي على نفسك في يوم زي ده”. بس أنا في لحظة حسيت جسمي كله اتجمد. مشيت بخطوات ثابتة ناحية المسرح (الكوشة)، مسكت المايك، وابتسمت لكل المعازيم اللي في القاعة.
​”قبل ما أقول ‘موافقة’، فيه حاجة لازم كلكم تسمعوها الأول.”
​قبل الفرح بربع ساعة بالظبط، لقيت أبويا وأمي قاعدين جنب الباب بتاع الـ Room Service، مستخبيين تقريباً ورا عمود رخام ضخم. ترابيزات الصاج وصواني الأكل بتاعة الويترية كانت محوطاهم من كل ناحية، ويافطة الخروج للطوارئ منورة باللون الأحمر فوق راسهم. الناحية التانية بقى من القاعة، كانت عيلة “طارق الشناوي” منورة الكراسي اللي في الويب (VIP) تحت النجف الكريستال اللي بيبرق، وكأن المكان ده اتخلق ليهم هم وبس.
​أمي لقطت تعبيرات

وشي في ثانية.
​”بلاش تخربي فرحك يا حبيبتي،” همست بالراحة وهي بتحاول ترسم ابتسامة مكسورة على وشها بالعافية.
​أبويا كان قاعد جنبها ساكت تماماً، حاطط إيده في إيد بعض، وباصص في الأرض كأنه عمل مصيبة أو كسف حد.
​مع إنه مغلِطش في أي حاجة!
​قاعة فندق “الماسة” كانت تخطف العين. الورد الأبيض محوط الممر كله، الكاسات الكريستال بتعكس الإضاءة الدهبي الدافية، وفرقة الكمانجة بتعزف مزيكا هادية وراقية جنب الكوشة، وحوالي ميتين عازم بيتسامروا بصوت واطي بفساتينهم الغالية وبدلهم المتفصلة على الشعرة.
​وفي النص كان واقف طارق الشناوي، بيضحك بوقار وثقة جنب والدته “شاهيناز هانم”، اللي الألماظ بتاعها كان بيبرق تحت النور.. بس مش أكتر من بريق غرورها وتكبره.
​طول فترة تجهيزات الفرح، أنا مطلبتش غير طلب واحد بس.
​قلت لطارق: “أبويا وأمي يقعدوا في أول صف”.
​ابتسم وقتها، وباس دماغي وقال لي: “أكيد طبعاً يا حبيبتي، ده حقهم”.
​وأهو.. قاعدين هناك!
​مستخبيين..
​منسيين..
​ومتهانين!
​بصيت لأمي وقلت لها: “مين اللي قعدكم هنا؟”
​طبطبت على دراعي بالراحة: “خلاص يا نادية، حصل خير”.
​قلت بنبرة قاطعة: “لأ مش خير، قوليلي مين اللي عمل كده؟”
​أبويا تردد شوية قبل ما يتكلم: “واحدة من بتوع التنظيم اللي حاطين سماعات في ودنهم دي، قالت لنا الأماكن دي محجوزة لأصحاب النصيب وعيلة العريس بس”.
​عيني راحت أوتوماتيك الناحية التانية من القاعة على شاهيناز هانم.
​أول ما لقطتني باصة عليها، رفعت كاس الشربات وابتسمت لي. ابتسامة شيك، مفيهاش غلطة، بس أبرد من التلج.
​بعدها بدقايق، لقيت طارق جاي بيجري عليا: “نادية، إنتِ بتعملي إيه هنا؟ الفوتوجرافر مستنينا برا”.
​شاورت بصباعي ناحية أبويا وأمي: “هم قاعدين ورا هناك ليه؟”
​لمح اللمسة دي، وتعبيرات وشه اتغيرت للحظة.. وبعدين رجع لبس الوش الهادي بتاعه تاني.
​وقال: “مامي هي اللي نظمت القاعة وترتيب الترابيزات، أرجوكي بلاش تعملي شوشرة وتفضحينا”.
​”أبويا وأمي قاعدين ورا عمود يا طارق!”
​صوته وطي خالص وبقى يوشوش: “هم يعني مش واخدين على جو مجتمعات الهاي كلاس يا نادية، وإنتِ فاهمة الحفلات دي بتمشي ازاي”.
​الكلمة نزلت عليا زي القلم على وشي.
​بس رفضت إن عيني تدمع.
​بالعكس، كل إهانة بلعتها الشهور اللي فاتت رجعت ورا بعضها في دماغي زي الشريط.
​شاهيناز وهي بتوصف خاتم أمي الدهب إنه “بسيط ولطيف بتاع الغلابة”.
​طارق وهو بيتريق ويقول إن محل الحدايد والبويات بتاع بابا ريحته تينر وفقر.
​أخته وهي بتسألني باستهزاء لو كنا في بيتنا بنعرف نأكل بشوكة وسكينة فضة أصلي.
​شهور وأنا ساكتة ومستحملة.
​شهور وهم فاكرين إن المفروض أبوس إيدي وش وضهر عشان وافقوا يدخلوني عيلتهم.
​عمرهم ما تخيلوا إنهم غلطانين للدرجة دي.
​بصيت لطارق وبعدين عديته وبصيت للمسرح.
​المايك كان محطوط ومستني جنب فازة ورد أبيض ضخمة.
​وفي اللحظة دي، كل حاجة بقت واضحة وضوح الشمس قدام عيني.
​رفعت الطرحة من على وشي.
​وديرت ظهري لطارق.
​ومشيت بكل ثقة وسط الممر.
​وطلعت على المسرح.
​القاعة بدأت تسكت بالتدريج.
​الكلام انقطع.
​المعازيم كلهم لفوا وبصوا عليا بذهول.
​بتاع الكمانجة نزل القوس وبطل عزف.
​مسكت المايك بإيدي، وابتسمت:
​”قبل ما أقول ‘موافقة’.. فيه حاجة كل واحد قاعد في القاعة دي من حقه يسمعها!”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *