اسر المنياوي

المأمور اتحرك فورًا، والعساكر بدأوا يخلّوا القاعة.
المعازيم خرجوا وسط نظرات محرجة وهمسات فضيحة هتملأ البلد كلها الصبح.
أما مراد…
فوقف يبص لآسر بكره وعجز.
ولأول مرة في حياته… يفهم إن أخوه الكبير ماكنش ساكت خوف…
كان ساكت لأنه طول عمره شايفه أصغر من إنه يستحق المواجهة.
وبعد ما القصر فضي تمامًا…
آسر طلع أنفاسه بتعب، وسند على السلم للحظة.
الخادم القديم “عمّ فتحي” قرب منه بعيون مليانة دموع: — حمدالله على سلامتك يا باشا.
آسر بص للقصر الهادي حوالينه…
ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
— من بكرة… كل حاجة هتتغير.
مرّ أسبوع.
القصر بقى هادي لأول مرة من سنين.
لا حفلات…
لا ناس مزيفة…
ولا صوت مراد وهو يتعامل كأنه صاحب المكان.
آسر كان واقف قدام الشباك الكبير في مكتبه، لابس بدلة رمادي غامقة، والتعب لسه باين على ملامحه… لكن المرض مبقاش هو المسيطر.
قدامه كانت ملفات الشركة كلها مفتوحة.
تقارير سرقة… تحويلات مشبوهة… عقود مراد كان بيستغل فيها اسم العيلة عشان يغرق نفسه في الديون.
عمّ فتحي دخل بهدوء وقال: — المحامي مستني حضرتك تحت… والأستاذ مراد كمان.
آسر سكت ثواني… ثم قال: — خليه يطلع.
بعد دقيقة، مراد دخل المكتب.
لكن المرة دي… ماكانش نفس الشخص.
وشه مرهق، هدومه أبسط، ونظرة الكِبر اللي كانت ماليه عينيه اختفت تمامًا.
وقف قدام آسر وقال بصوت مكسور: — أنا غلطت.
آسر ما ردش.
مراد بلع ريقه وكمل: — كنت فاكر إن الفلوس والقوة حقي… ونسيت مين اللي بنى كل ده أصلًا. أنا عمري ما كنت عدوك يا آسر… أنا بس كنت حاسس إني طول عمري أقل منك.
الصمت طال بينهم.
ثم آسر اتحرك ببطء، وفتح درج مكتبه، وطلع ملف.
حطه قدام مراد.
مراد فتحه باستغراب… واتصدم.
— عقد شقة؟!
آسر قال بهدوء: — شقة وشغل جديد في فرع الشركة بالإسكندرية. بعيد عن هنا… وعن الناس اللي كانت بتنفخ في دماغك.
مراد رفع عينيه بذهول: — بعد كل اللي عملته… لسه بتساعدني؟
آسر بصله نظرة طويلة، وقال: — عشان أبويا ربّاني أكون سند لأخويا… مش قبر ليه.
عين مراد اتمليت دموع لأول مرة.