وحش وسط البلد لمشيره محمد

”اتفضل يا بيه.. اتفضل جوه.. البيت على قده بس مطرحك.”
دخلت وقفت في الصالة الصغيرة. الشقة كانت نظيفة جداً رغم فقرها. مفيش أثاث غالي، بس كل حاجة مترتبة بحب.
”الواد عامل إيه دلوقتي؟” سألتها وأنا ببص على السرير الصغير.
هناء وعينها مليانة دموع: “الحمد لله.. الحمد لله يا بيه.. البخاخة اللي حضرتك جبتها شديدة ومفعولها سريع.. الواد نام ومبقاش ينهج. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. بس.. هو حضرتك مين؟ وعرفت مكاني منين؟ وعتمان بيه خاف منك كده ليه؟”
طلعت الموبايل الآيفون المشروخ من جيب البالطو بتاعي، وحطيته على الترابيزة الصغيرة اللي وسط الصالة. جنبه حطيت باكيته فيها عشرة تلاف جنيه.
بصت للموبايل وصوتها شهق: “ده.. ده تليفوني! والفلوس دي إيه؟ أنا واخدة تمنه في المحل ألف ونص!”
قعدت على الكرسي الخشب الوحيد اللي في الصالة، وسندت إديا على ركبي: “المحل ده بتاعي يا هناء. والواد اللي شغال تحت ده حمار مبيفهمش في الأصول. التليفون ده يسوى كتير.. يسوى كتير عشان الاستيكر اللي ملزوق ورا.”
هناء غطت وشها بإيديها وبدأت تعيط بنشيج يقطع القلب: “جوزي سابنا من سنة يا بيه.. طفش وساب عيلين ورقبتي، ورمى عليا حمول مفيش جبال تشيلها. بشتغل في البيوت وبغسل السلالم عشان لقمة العيش، والشهر ده الواد تعب ومبقاش معايا مليم واحد.. عتمان كان هيطردنا في الشارع في المطر ده.. كنت حاسة إن الدنيا سدت في وشي.”
مسحت دموعها بطرف كمها وبصتلي: “أنت مين يا بيه؟ الناس بتقول عليك كلام يخوف.. بس اللي شوفتُه منك النهاردة ميعملوش إلا ابن أصول.”
الفصل الثامن: الوحش الذي أصبح ضهراً
ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع وفيها كبرياء: “أنا يونس الديب يا هناء. والناس معاهم حق يخافوا مني.. أنا مش راجل طيب، وعمري ما كنت قديس. إيديا دي عكت كتير في سوق وسط البلد، وليا أعداء يملوا الشوارع.”
وقفت وربطت البالطو بتاعي: “بس الديب مبيجيش على الغلبان. الديب بياكل الديابة اللي زيه. من النهاردة، مفيش مخلوق في المنطقة دي كلها يقدر يرفع عينه فيكي، ولا عتمان ولا غيره. إيجار الشقة دي مدفوع لسنة قدام، ووصلات الأمانة هتكون معايا بكرة وهقطعها بنفسي.”
هناء وقفت وراحت ناحية الباب وهي بتدعيلي بدعاوى هزتني من جوايا: “ربنا يسترك يا يونس بيه.. ربنا يجعلك في كل خطوة سلامة، ويكفيك شر طريقك، ويحبب فيك خلقه.. أنت أنقذت ابني النهاردة، والجميل ده هيفضل في رقبتي ليوم الدين.”