الدفن

ـ هناء، أنا عايز أكلمك لوحدنا.
نهلة كانت واقفة بعيد شوية، فدخلت البيت، وفضلنا أنا وهو في الشارع.
بص للأرض وقال بصوت واطي:
ـ أمي كانت بتساعد الناس من فلوسها؟
قلت له:
ـ أيوه.
ـ وكانت بتوفر في علاجها؟
دموعي نزلت.
ـ أيوه يا سامح.
حط إيده على وشه، وفضل ساكت شوية.
وبعدين قال:
ـ أنا كنت فاكر إنها مش بتساعدني علشان مش معاها. كنت كل ما أطلب منها فلوس تقول لي مفيش، وكنت بزعل منها.
بصيت له وقلت:
ـ وهي كانت بتزعل أكتر منك، بس ما كانتش بتقول.
بدأ يعيط، ودي كانت أول مرة أشوف أخويا الكبير بيعيط من سنين.
قال:
ـ أنا آخر مرة زرتها في المستشفى، طلبت مني أجيب لها الدوا. قلت لها إني مشغول وهجيب لها بكرة.
سكت، وبعدها كمل:
ـ بكرة ما جاش يا هناء. هي ماتت قبل ما أرجع لها.
ما قدرتش أرد عليه.
لأن الحقيقة كانت أقسى من أي كلام.
هو غلط، وأنا كمان كان عندي تقصير في حاجات ما كنتش أعرفها، لكن أمي وحدها كانت عارفة قد إيه كل واحد فينا محتاج يتعلم.
مديت إيدي ومسكت إيده.
ـ إحنا مش هنقدر نرجعها يا سامح، لكن نقدر نعمل حاجة تفرحها وهي عند ربنا. نكمل الخير اللي كانت بتعمله، ونحافظ على حقوق الناس.
هز راسه، وقال:
ـ أنا موافق.
لأول مرة من يوم الوفاة، حسيت إنه بيتكلم بصدق.
لكن لسه كان فيه امتحان أصعب.
لما رجعنا البيت، لقينا نهلة بتقلب في حاجات أمي، وشنطتها مفتوحة، والهدوم مرمية على السرير.
صرخت فيها:
ـ إنتِ بتعملي إيه؟
قالت ببرود:
ـ بشوف الحاجات اللي تنفع تتباع. بدل ما تترمي.
سامح وقف مكانه، وبص لها بغضب.
ـ إنتِ بتفتشي في حاجات أمي ليه؟
ردت بعصبية:
ـ هو إنت اتجننت؟ دي حاجات قديمة، وإحنا أولى بيها!
قال لها:
ـ رجعي كل حاجة مكانها.
ضحكت باستهزاء.

ـ علشان هناء قالت لك إن فيه كنز؟ يا سلام! بقى إنت هتصدقها وتنسى مراتك؟
سامح قرب منها وقال:
ـ دي حاجات أمي، ومش هسمح لحد يهينها وهي مش موجودة.
نهلة شالت شنطتها بعصبية، وقالت:
ـ براحتك. بس لما تلاقي نفسك ضيعت فلوسك كلها على الناس، ما تجيش تلومني.
وخرجت من البيت وهي بتقفل الباب بعنف.
سامح ما جريش وراها.
قعد على الكنبة، وبص للمكان اللي كانت أمي بتقعد فيه، وقال:
ـ أنا عمري ما تخيلت إن البيت ده فيه كل الحكايات دي.
قعدت جنبه وقلت:
ـ إحنا ما كناش بنشوف غير اللي أمي كانت عايزانا نشوفه.
في الأسابيع اللي بعدها، بدأنا إجراءات حصر الممتلكات، وسددنا الالتزامات اللي ثبتت بالأوراق، وتواصلنا مع أصحاب الأمانات بمساعدة المحامي.
بعض الناس رفضوا ياخدوا أي فلوس، ولما سألتهم ليه، كانت الإجابة واحدة:
ـ أمك عمرها ما حسستنا إننا محتاجين. كانت بتساعدنا من غير ما تكسر عين حد.
واحدة من الستات، اسمها أم سيد، جت لي البيت وهي ماسكة كيس صغير.
قالت لي:
ـ دي شوية حاجات كانت أمك سايباها عندي، قالت لي أديهالك لما تكبري وتفهمي.
فتحت الكيس، ولقيت جواه إسورة دهب رفيعة، وورقة صغيرة.
«الإسورة دي كانت هدية من عبد الرحمن لهناء يوم ما اتولدت. خليها معاها، دي مش للبيع ولا للورث. دي ذكرى من أبوها.»
فضلت أعيط وأنا حاضنة الإسورة.
أمي كانت فاكرة كل حاجة.
حتى الحاجة الصغيرة اللي أنا نفسي كنت نسيتها.
بعد ما خلصنا أغلب الإجراءات، اتحدد نصيب كل طرف، واتحفظت الحقوق المثبتة قانونيًا، وبقينا عارفين إيه اللي ينفع نتصرف فيه وإيه اللي لازم يفضل مخصص للأمانات والوصية.
سامح اتغير بالتدريج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *